هو صاحب نظرية "صفر مشاكل" التي استطاعت تركيا بفضلها استعادة دورها الإقليمي والدولي، كما يعتبر أحمد داود أوغلو من القلائل الذين استطاعوا الجمع بين سيرة أكاديمية وتجربة سياسية بنجاح ملحوظ.

ينظر إلى وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو على أنه واحد من أهم الساسة الأتراك في العصر الحديث، ويحسب له ابتكار وتطبيق خط جديد في السياسة الخارجية التركية كان له أكبر الأثر في استعادة تركيا مكانتها كلاعب رئيسي في المنطقة والعالم. 

بدأت مسيرته في المضمار السياسي عام 2002 كمستشار أعلى لرئيس الوزراء، وسرعان ما لوحظت بصماته بوضوح على محاور مهمة من السياسة الخارجية التركية، حيث قدم خطا سياسيا جديدا يدعو تركيا لاستيعاب الوضع الإقليمي الجديد في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، وترسيخ مفهوم استقلالية القرار التركي من دون الحاجة إلى الولايات المتحدة كما كان الحال أيام الحرب الباردة.

تسلم عام 2009 حقيبة الخارجية، وطبق مبدأه الذي ابتكره والمعروف اصطلاحا باسم "صفر مشاكل مع دول الجوار"، واستطاع بفضل ذلك التوجه حل الكثير من المشاكل المتعلقة بالسياسة الخارجية التركية، كما وصل إلى حلول مرضية مع أكراد بلاده الذين يقودون تمردا ضد الدولة التركية منذ ثمانينيات القرن الماضي ذهب ضحيته عشرات الآلاف من الضحايا من الجانبين.

كما يحسب له قيادة ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي بطريقة مبتكرة، واستطاع التوصل إلى حلول مع الجيش الذي تمتع بسطوة على المشهد السياسي التركي منذ انهيار الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين.

استطاع أوغلو أن يتوصل إلى تسويات مع الجيش لإزاحته عن المشهد السياسي، وهي أول مبادئ الديمقراطية التي تطالب بها "معايير كوبنهاغن"، وهي المعايير التي وضعها الاتحاد الأوروبي لقبول أي دولة كعضو فيه.

وقد توجت مسيرته السياسية الناجحة على مدى السنين الماضية باختياره رئيسا لحزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، وتكليفه برئاسة الوزراء في أغسطس/آب 2014.

اختير داود أوغلو (يسار) وأردوغان ضمن أهم مائة مفكر عام 2010 (الفرنسية)

سيرة أكاديمية
ولد داود أوغلو في 26 فبراير/شباط 1959 في كونيا بوسط تركيا، وأكمل دراسته الثانوية في المدرسة الألمانية الدولية في إسطنبول.

 تخرج عام 1983 في كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة البوسفور في تخصصي الاقتصاد والعلوم السياسية، ونال شهادة الماجستير في الإدارة العامة، والدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من الجامعة ذاتها.

عمل عام 1990 أستاذا مساعدا في الجامعة الإسلامية الدولية في ماليزيا التي أسس فيها قسم العلوم السياسية لغاية 1993 ثم عمل أستاذا مشاركا بين 1995 و1999  في معاهد ومؤسسات تابعة لجامعة مرمرة، وهي معهد دراسات الشرق الأوسط، ومعهد البنوك والتأمينات وبرنامج الدكتوراه في قسم الإدارة المحلية والعلوم السياسية، وشغل في الفترة بين 1998 و2002 منصب متحدث زائر في الأكاديمية العسكرية وأكاديمية الحرب.

نشر أوغلو -المتزوج والأب لأربعة أبناء- العديد من الكتب والمقالات في السياسة الخارجية باللغتين التركية والإنجليزية، وترجمت مؤلفاته إلى العديد من اللغات، كالعربية واليابانية والبرتغالية والروسية والفارسية والألبانية.

ومن بين مؤلفاته "الفلسفة والسياسة"، و"العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية"، وكتاب "العمق الإستراتيجي" الذي وضع الإطار النظري للتوجه الجديد للسياسة الخارجية.

ويتبنى أوغلو -الذي يتحدث الإنجليزية والألمانية والعربية إضافة إلى التركية- عددا من الأفكار التي توصل إليها في بحوثه الأكاديمية، ومن بينها ضرورة خروج تركيا من الدور الإقليمي المحدود إلى أفق التأثير في السياسة الدولية.

اختارته مجلة "فورين بوليسي" في 2010 ضمن أهم مائة مفكر في العالم، وذلك باعتباره أحد أهم العقول التي تقف وراء نهضة تركيا الحديثة، وفي 2011 اختارته المجلة مع رئيس الوزراء حينها رجب طيب أردوغان ضمن القائمة لدورهما في التفكير بدور جديد لتركيا في العالم وتحقيقه.

مثّل أوغلو موقف تركيا الداعم للفلسطينيين بغزة تجاه العدوان الإسرائيلي عام 2014 (أسوشيتد برس)

طراز فريد
ويعتبر المراقبون داود أوغلو طرازا فريدا من الساسة، حيث التزم بمبدأ الموافقة بين المبادئ الأخلاقية والإنسانية والحفاظ على المصالح الوطنية العليا.

وعلى هذا الأساس، كان له أثر بارز في توجهات تركيا المناصرة لقضايا شعوب المنطقة العربية والإسلامية، وكان آخرها انتصارها الواضح واصطفافها إلى جانب الشعب الفلسطيني بغزة في العدوان الذي شنته عليه إسرائيل صيف عام 2014.

يقول عنه الكاتب وأستاذ القانون الأميركي ريتشارد فالك "يعد الصعود السياسي لشخص آتٍ من خلفية أكاديمية ومنخرط في الحياة التعليمية بعمق كأستاذ جامعي أمرا غير مألوف بحد ذاته، إلا أن وصوله لهذه الدرجة من الأهمية في الدولة يعد أمرا غير مسبوق ليس في تركيا فحسب بل في العالم". 

يضيف فالك "وإذا حاولنا البحث عن حالات مشابهة فإني لا أجد نظيرا سوى هنري كيسنجر، ورغم أن هذا الأخير قد لعب دورا محوريا كمهندس للسياسية الخارجية الأميركية في عصر كانت فيه الولايات المتحدة قوة عظمى فإنه لم يتبوأ منصبا أعلى من وزير للخارجية".

إلا أنه ورغم النجاحات المتعددة التي حققها داود في سياسة تركيا الخارجية فإن هناك قدرا من الانتقادات وجهت له أيضا، منها توسعه المفرط الذي أدى إلى خلل في الحسابات في عدد من القضايا التي تدخلت فيها تركيا.

أما انخراط تركيا في عمليات تقودها الولايات المتحدة ولو ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مثل المشاركة التركية العسكرية في أفغانستان فقد كانت محل انتقاد المراقبين لعدم توافقها مع نهج داود أوغلو القائل بدمج المحافظة على المبادئ والمصالح في آن واحد.

المصدر : الجزيرة