مواطن سوري يعرض بقايا قذيفة سقطت على أحد أحياء مدينة حلب (الفرنسية)

"أرجوك انشق فلتُقتل أنت قبل أن تقتُل أهلك" تخاطب السيدة السورية الحلبية أم محمد ابنها الجندي في الجيش النظامي السوري. فهي اليوم تخشى أن يكون أحد مطلقي النار على مدينته وأن يتسبب بقتل أحد من أهله.

تقول أم محمد -التي رفضت ذكر اسم العائلة أو اسم ابنها خوفا على سلامته- إنها صدمت عندما حولت الانتفاضة الشعبية السورية مدينتها حلب إلى منطقة حرب لكنها تضيف أن عذابها النفسي أسوأ، فكل يوم تواجه حقيقة أن ابنها (20 عاما) جزء من الجيش الذي تأمل أن يهزمه مقاتلو المعارضة.

وتؤكد الهالات السود تحت عينيها الخضراوين أن النوم يجافيها، وكانت تربت على شعر ابنتها البالغة من العمر ستة أعوام بينما تفكر في الذي يدفع ابنها إلى الاستمرار في الجيش وتضيف "يقول إن مركزه في محافظة أخرى ولا يمكنه الرحيل، لم نره منذ عام".

وحال أم محمد ليس أفضل من حال البلاد، فعائلتها ممزقة بين الولاء للنظام والتأييد للمعارضة، وتدفع كأغلبية الشعب السوري الثمن الباهظ للانتفاضة الشعبية ضد حكم الرئيس السوري بشار الأسد، منذ منتصف مارس/آذار عام 2011.

ومنذ نحو ثلاثة أسابيع أصبحت حلب -العاصمة التجارية لسوريا- خط مواجهة بين الجيشين النظامي والحر وفر الآلاف من أكبر مدينة في البلاد والتي يقطنها قرابة مليونين ونصف المليون.

عائلة أم محمد تتناول البطاطا والأرز والخبر على الإفطار بسبب نفاد الأموال

نفاد الأموال
أموال زوجها عمار وهو صانع أحذية نفدت منذ أن أغلق متجره ولا يملكون الوقود ويطهون على نيران يوقدونها بقطع خشب ينتزعونها من سطح المنزل، أوضاع تجبر عمار على الكذب عندما يتصل ابنهم ليسألهم عن كيفية قضاء شهر رمضان المبارك.

ويوضح عمار -يجلس مع عائلته في منزلهم بإحدى ضواحي حلب الفقيرة والبعيدة عن القصف- أن ابنه يسأل عن ما إذا كانت والدته تطهو الطعام المفضل لديه، فيجيب بالطبع، لكن الحقيقة أن ليس لديهم سوى البطاطا والأرز أو الخبز للإفطار، "لأنني إذا أخبرته سينفطر قلبه".

ويقع منزل العائلة على بعد بضعة شوارع فقط من مكان اشتباكات عنيفة وقعت بين مقاتلي المعارضة والجيش حيث ما زالت بقايا دبابات محترقة وأظرف عيارات نارية تغطي الشوارع.

وتروي أم محمد كيف اختبأت مع زوجها وأبنائهما الصغار الثلاثة تحت الفراش للاحتماء من شظايا قذائف مورتر سقطت على مكان يختبئ به مقاتلو المعارضة في الشارع الذي يقطنون به. وقالت "نظرنا إلى بعضنا البعض وقلت لنفسي هكذا ينتهي الأمر".

وتأتي مرام (ستة أعوام) ببعض الشظايا التي جمعتها وتضعها على الأرض حيث يجلس أفراد عائلتها على وسادات ممزقة.

أم محمد: لا أريد الرحيل، قد يعود إبني للمنزل الآن بعد أن يعلم أن القتال انتقل إلى مدينته، أتمنى كل يوم أن ينشق، مر عام ولم يعد، أخشى أن أنسى وجهه

مسألة كرامة
وحاولت أم محمد والأطفال الفرار من القتال والذهاب إلى الريف إلا أن الأوضاع كانت سيئة للغاية هناك لدرجة أن بعض العائلات اختارت المجازفة بالعودة إلى حلب، ففي الريف اكتظ منزل صغير بعشرات الأفراد دون توفر الطعام والماء بكميات كافية وسط درجات حرارة خانقة.

وتشرح أم محمد أنه كان هناك ستون شخصا في منزل أحد أقاربها، "قلت إننا من الممكن جدا أن نصاب بمرض ما بنفس قدر إمكانية إصابتنا بقذيفة مورتر، فضلت أن أكون في منزلي حتى لو مت جوعا".

ورغم تراجع حدة القتال في الأيام الأخيرة لكن يصعب عليهم نسيان ما تعرضوا له، فعلاء أحد أبنائهم والبالغ من العمر ثمانية أعوام يرتجف إذا أغلق باب بعنف. ويقول "لست خائفا من القصف باستثناء في الليل أخاف أن أنام".

ولكن حتى والده عمار يصعب عليه النوم، "كل ليلة أفكر لماذا لم يهاجمنا الجيش هنا ثانية؟ لن يقبل أن نكون أحرارا، أعلم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة".

واشترى عمار بعض الدعامات الخشبية وقماش التربولين لصنع خيمة على أمل أن يتمكن إذا فرت عائلته ثانية من توفير ملاذ للعائلة خارج المدينة، دون أن تضطر للإقامة في قرى مكتظة من جديد.

وختم أنها مسألة كرامة بالنسبة له "لا يمكنني أن أترك بلدي أو منزلي حتى لو مت هناك".

ولا تريد أم محمد أيضا الرحيل وتقول إن ابنها ربما يعود للمنزل الآن بعد أن يعلم أن القتال انتقل إلى مدينته. فهي تأمل كل يوم أن ينشق "مر عام ولم يعد، أخشى أن أنسى وجهه".

المصدر : رويترز