الياسمين يحمل رمزا جماليا لدى شعب تونس

إيمان مهذب-تونس

في مكان ظليل وخلف أحد المحال التي تبيع الورد في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية، يجلس بشير الميموني -أو "ملك الياسمين" كما يلقبه زملاؤه- ليواصل عمله في نظم زهور الياسمين، ومع عدد من العاملين يتجاذب بشير أطراف الحديث، لكن ذلك لا يشغل الجميع عن إتقان ما يصنعونه.

الميموني الذي خبر هذه المهنة منذ ما يزيد على ربع قرن، يرى أن الياسمين يشكل أحد رموز البلاد، ويقول إن الياسمين يرمز لتونس وشعبها، والآن أصبح رمزا للثورة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي..، الثورة التي أُطلق عليها "ثورة الياسمين".

ويزين الياسمين في تونس بأشكاله المختلفة حفلات الزفاف والسهرات الصيفية ولقاءات الأحبة، وهو مخصص أيضا لاستقبال السياح أو المهاجرين العائدين للوطن الذي تفوح منه "رائحة الورد والياسمين"، كما تتغنى بذلك بعض الأغاني التونسية القديمة.

أحد باعة الياسمين في ضاحية المرسى

إقبال
ويقول الميموني (39 سنة) إن التونسيين يقبلون على شراء الياسمين أكثر من أي نوع آخر من الزهور، موضحا أن العمل لم يعد يقتصر على أشهر الصيف فقط بل يمتد للسنة كلها.

ويقول للجزيرة نت إن العمل يبدأ في ساعات مبكرة، ففي الفجر تُجمع زهور الياسمين من البساتين الموجودة بمنطقة رادس (الضاحية الجنوبية للعاصمة)، وحين يتسلم العمال هذه الزهور يتم وضعها في صناديق مغلقة ورش الثلج عليها حتى لا تذبل.

وفي السابعة من كل يوم يبدأ الميموني وزملاؤه عملهم، ثم يقدمون ما يتم صنعه من أزهار الياسمين إلى "الباعة" ليجوبوا به الشوارع والمقاهي والشواطئ ومسارح المهرجانات، وكل الأمكنة التي يرتادها التونسيون أو زوار البلاد من السياح.

عراقة
ويشترك الميموني وعدد ممن يعملون معه في حب هذه المهنة التي خبروها سنوات طويلة، فهم يعتقدون أن الياسمين ورائحته يشكلان جزءا من صورة تونس.

الميموني (يسار) والعم إبراهيم منهمكان في صنع "مشاميم" الياسمين

ويعمل العم مبروك إبراهيم (80 سنة) في تجهيز وبيع الورد والياسمين منذ عام 1958، ويقول إنه "لا يستطيع أن يفارق هذه المهنة التي أسست له بيتا وتكفلت بكل مصاريف عائلته"، ويرى أن ما يقوم به ليس مجرد حرفة بسيطة بل فنا يعبر عن مخزون ثقافي للبلاد.

ويقاطع الميموني العم إبراهيم قائلا "ما نقوم به يشد السائحين الذين يمرون من هنا، وكثيرا ما تلتقط لنا الصور ونحن نواصل العمل".

وببراعة لافتة، يضم الميموني ومن معه من العاملين زهرات الياسمين حول أعواد متوازية الطول، وبواسطة الخيوط البيض الرفيعة يجمعون الزهرات إلى بعضها، ثم تحول للطاولة الأخرى ليتم لفها بخيط أحمر يزيدها جمالا.

ويقول الميموني إن الخيط الأحمر يرمز للحب، لذا يحرصون على أن تكون الأطواق أو "مشموم الياسمين" مزينة بهذا اللون الرمزي، وكثيرا ما يكون الخيط الأحمر حريريا.

ويضيف أن الباعة يرتدون أيضا اللباس التقليدي التونسي لتكتمل الصورة برمزيتها، ولإثارة فضول السياح.

بيع الياسمين يساعد الأطفال على تأمين مصاريف الدراسة

اقتصاد
وعلى الرغم من اتفاق البعض على حب هذه المهنة، فإن آخرين يبدون مجبرين بحكم الظروف الاجتماعية على مزاولتها، ويلاحظ الزائر لتونس أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و14 سنة هم من أكثر الفئات العمرية التي تبيع الياسمين.

ويقول حمزة الذي بدأ العمل في هذه المهنة منذ سن الحادية عشرة للجزيرة نت، إن ظروفه الاجتماعية دفعته لامتهانها، فهي تساعده على توفير مصاريف دراسته ومصاريف البيت أحيانا.

ويضيف حمزة "أنا محتاج للعمل..، والظروف هنا طيبة..، فيكفي أننا محاطون بالياسمين ونستنشق عطره الأخاذ".

المصدر : الجزيرة