أغلب العائلات التترية تحتفظ بصورة للمسجد الكبير الواقع في قصر الخان (الجزيرة نت)
محمد صفوان جولاق-القرم


يعتبر قصر الخان الأثر الوحيد "الكامل" المتبقي من حضارة تتار إقليم شبه جزيرة القرم والمسلمين الذين حكموا الإقليم وعدة مناطق مجاورة لأربعة قرون، وهو أحد خمسة قصور ضمها الإقليم وهدّم أربعة منها وأزيلت آثارها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من طرف القيصرية الروسية.

يقع القصر وسط مدينة بخش سراي التي كانت عاصمة ولاية القرم التابعة لدولة الخلافة العثمانية في أجزائها الشمالية، على ضفة نهر "شوروق سو" (وتعني بالتترية ماء الشرق). وقد بُني على الطراز التركي السلجوقي القرمي، وهو محاط بالحدائق والأشجار الباسقة.

والقصر آية في جمال الفن الهندسي والمعماري، ويضم مسجدين وبيت السلطان ومقبرة للأسرة السلطانية، وكذلك ديوانية وغرفا للضيوف وبيوتا للخدم والحراس، إضافة إلى قاعة سمر في الصيف ومبنى خاص بالنساء (حرملك).
نافورة عين الدموع (الجزيرة نت)
أما حديقته الواسعة فتتلون بمختلف أنواع الأشجار والزهور والنباتات، وتضم 14 نافورة، أبرزها "عين الدموع" التي بناها الخان قرم كيراي حزنا على وفاة زوجته الحبيبة ديلارا، والنافورة الذهبية، ونافورة سلسبيل.

دليل وجود
ويعتبر التتار وعدة مؤرخين أن القصر أحد أبرز الدلائل على قدم الوجود التتري الإسلامي وعراقته في الإقليم التابع اليوم لأوكرانيا بعدما كان ولاية.

ويشير الباحث في تاريخ القرم والتتار د.أمين القاسم إلى أن القصر بني في عهد الخان (السلطان) صاحب كيراي الأول بداية القرن 16 على مساحة تبلغ نحو 18 هكتارا، وكان مقرا للحكم السياسي والثقافي لأسرة كيراي الحاكمة للقرم وما حوله لقرنين ونصف (1532-1783).

كما يشير القاسم إلى أن مؤرخين روسا كثيرين خلال الحقبة السوفياتية زوروا التاريخ، فنسبوا القرم إلى القيصرية الروسية. أما معظم المؤرخين المنصفين فيؤكدون أن سكانه الأصليين ينحدرون من أصول تركية (التتار)، ولم يكن للروس أي وجود يذكر، لكن نسبتهم اليوم تبلغ نحو 40% من إجمالي 2.5 مليون ساكن، بينما تتعدى نسبة التتار 20%.

هدم وتخريب
ويشهد القصر -كغيره من الآثار التترية الإسلامية في القرم- على صولات وجولات حرب، حاول خلالها الروس السيطرة على الإقليم وطمس معالمه.

جانب من المقبرة السلطانية (الجزيرة نت)
يقول القاسم إن الروس دخلوا مدينة بخش سراي لأول مرة عام 1736 بقيادة المارشال كريستوف مينيخ الذي أمر بإحراقها وهدم  القصر وإحراقه، قبل أن يعيد الخانات بناءه وترميمه.

ويشير إلى أن جل عمليات الهدم وطمس المعالم حدثت بعد سيطرة القيصرية الروسية على القرم عام 1783، حيث هدمت أجزاء كثيرة منه، لتتراجع مساحته من 18 إلى 4.3 هكتارات.

كما غُيرت الكثير من معالمه، وبُدل أثاثه لراحة الإمبراطورة كاترين الثانية وغيرها من كبار الزوار، ثم جعل في أواسط القرن 19 مصحا يحجر فيه مرضى الأمراض المعدية.

متحف ورمز
وقد حُوّل القصر إلى متحف ولا يزال كذلك حتى يومنا هذا، مع اعتباره رمزا للحضارة والوجود التتري الإسلامي في الإقليم.

فبعد الثورة البلشفية، أهمل الاتحاد السوفياتي القصر ولم يكترث له، ثم حوله إلى متحف تحت عدة مسميات، ورممه في ستينيات القرن الماضي لأسباب دولية، فأعيدت إليه بعض ملامحه القرمية الإسلامية، دون السماح للمسلمين بممارسة تعاليمهم فيه والصلاة في مسجده الكبير المتبقي.

وفي العام 2003 بدأت وزارة الثقافة الأوكرانية سلسلة ترميمات جادة فيه، وهو اليوم متحف للفن والحضارة القرمية التترية، وفيه لوحات وصور ومقتنيات للقياصرة الذين سكنوه، وهو من أشهر المعالم الوطنية في أوكرانيا.

صورة خارجية لإحدى غرف القصر (الجزيرة نت)
يرى التتار في القصر رمزا لهم ولدينهم وهويتهم، فلا يكاد يخلو بيت تتري من صوره وصور مسجده الكبير.

يقول رئيس جمعية الأمل الشبابية التترية مسلم درويشوف للجزيرة نت إن "القصر إرثنا وفيه أصالة تاريخنا وحضارتنا، وفيه وحوله تدور الكثير من حكاياتنا وقصصنا الشعبية".

ويضيف "يحرص التتار على زيارة القصر كلما سنحت الفرصة، وعلى تعريف أبنائهم بتاريخه ومرافقه، ويحرص الكثير من الشباب التتار على الزواج داخله، ففيه بركة مصدرها الدين، وهذا يمنحهم الفأل الحسن".

المصدر : الجزيرة