تدريبات للجبهة الداخلية بإسرائيل للتعامل مع حالات الطوارئ بسبب الكوارث طبيعية أو الحروب  (الجزيرة)

محمد محسن وتد-أم الفحم

تعيش إسرائيل حالة من التوتر والقلق حيال السلاح الكيماوي السوري وإمكانية انتقال هذا السلاح لتنظيمات معادية، والمقصود على وجه التحديد حزب الله في لبنان وتنظيمات الجهاد العالمي بزعامة القاعدة. وتباينت المواقف ما بين القيادة السياسية والعسكرية حول كيفية الرد واحتواء هذه الأزمة التي باتت تلقي بظلالها على المشهد السياسي والاجتماعي بإسرائيل، التي شرعت بإعادة انتشار جيشها على طول حدود خط وقف إطلاق النار بالجولان المحتل.

وتساهم المواقف التي تعبر عنها إسرائيل إزاء السلاح الكيماوي السوري في مواصلة تأجيج القلق الأمني لدى الرأي العام، وتتيح لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إمكان صرف أنظار هذا الرأي العام عن المشاكل الداخلية وتوجيهها نحو المشاكل الخارجية، وذلك في ظل مناخ بدأت فيه المشاكل الداخلية تثير تململ أوساط كثيرة بالشارع الإسرائيلي.      

وعزز الجيش الإسرائيلي من قواته على طول خط وقف إطلاق النار بالجولان من خلال إقامة جدران من السياج وزرع مزيد من حقول الألغام تحسبا لتدفق اللاجئين من سوريا، كما أن الجيش -وبحسب ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية- سيباشر في غضون الأسابيع القريبة نصب أجهزة رصد وكاميرات ورادارات على طول الحدود الشمالية مع سوريا ولبنان لرصد وجمع المعلومات عن التحركات البرية وتلقي معلومات استخبارية أفضل وأنجع بكثير مما هو عليه.

فخر الدين يعتبر التخوف في تل أبيب  من الأسلحة السورية نفاقا إسرائيليا (الجزيرة)

خوف مفتعل
واستعرض سلمان فخر الدين -الباحث الميداني بالمؤسسة العربية لحقوق الإنسان "المرصد" بالجولان المحتل- تداعيات السلاح الكيماوي السوري على الأوضاع الداخلية بإسرائيل وما أفرزته من حالة خوف "مفتعلة" للترويج لخطر انتقال هذا السلاح إلى حزب الله أو أي منظمة معادية قد تهدد الأمن القومي لتل أبيب، متهما موقف المجتمع الدولي الذي يلوح بالقانون الدولي وحقوق الإنسان والأخلاقيات بالنفاق، وداعيا للبحث عن مصدر هذا السلاح غير التقليدي.

وقال للجزيرة نت إن السجال الدائر ما هو إلا "نفاق إسرائيلي" وسط الأزمات الداخلية التي تعصف بتل أبيب بكل ما يتعلق بالاحتجاجات على خلفية تردي الوضع الاجتماعي والاقتصادي، وانسحاب حزب كاديما برئاسة شاؤول موفاز من الائتلاف الحكومي، مما دفع بالقيادة السياسية للتلويح بفزاعة الخطر الذي يستهدف الأمن القومي لتنفيس الضغط الداخلي ولاحتواء الاحتجاجات بغية اصطفاف المجتمع الإسرائيلي حول حكومة نتنياهو.

وشدد على أنه لا يحق لإسرائيل أخلاقيا التدخل أو إبداء أي موقف بخصوص السلاح الكيماوي أو النووي كونها لم توقع على أي مواثيق دولية للحد من انتشار هذه الأسلحة أو منع استعمالها، لافتا إلى أن التهويل الإسرائيلي يندرج ضمن إيديولوجية "الخوف الدائم" الذي تعيشه تل أبيب، خصوصا أنها في الغرف الأمنية المغلقة لا تشعر بهذا الخطر المعلن من السلاح الكيماوي السوري.

ويرى أن الموقف الإسرائيلي بمثابة تبرير لتدخل عسكري دولي خارجي ومقدمة لإمكانية تدخلها أو القيام بعمليات عسكرية داخل سوريا استباقا لانهيار النظام لفرض أمر واقع واحتلال المزيد من الأراضي والبحث عن دور لصياغة المستقبل بسوريا.

شلحت: القادة السياسيون بإسرائيل يؤيدون الوسائل العسكرية لمنع انتقال الأسلحة الكيماوية السورية (الجزيرة)

سيناريو الكابوس
وقال الباحث بالشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت إن قادة المؤسسة السياسية وعلى رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع إيهود باراك، يؤيدون اللجوء إلى الوسائل العسكرية للحؤول دون انتقال تلك الأسلحة من سوريا. وثمة من يتحدث عن احتمال استعمال هذه الوسائل لمحاولة تدمير هذه الأسلحة في مواقعها.

وأضاف شلحت للجزيرة نت أن قادة المؤسسة العسكرية وعلى رأسهم رئيس هيئة الأركان العامة بيني غانتس يتحسبون من الإقدام على خطوة عسكرية في هذا الصدد خشية أن يؤدي ذلك إلى توريط إسرائيل في حرب أخرى لا تحمد عقباها، فضلا عن تشكيكهم بقدرة أي عملية عسكرية على تدمير كل هذه الأسلحة.

وهذا -يتابع الباحث- ما يفسر حرص المسؤولين العسكريين على تكرار أن نظام بشار الأسد ما زال مسيطرا على الأوضاع الأمنية بسوريا بما في ذلك على ترسانة الأسلحة غير التقليدية، وأنه يجب عدم الدخول في حالة هلع منذ الآن.

مع ذلك يؤكد شلحت ضرورة الأخذ بالحسبان أن إسرائيل تعتبر أن وجود أسلحة غير تقليدية بأيدي منظمات تعدها "إرهابية" ينطوي على ما تسميه "سيناريو الكابوس"، ويفرض "تهديدا" ينفرد بجسامته وفداحته، وخصوصا في ضوء حقيقة افتقاد إسرائيل بهذه الحالة إلى "عنوان ترد عليه".  كما أنها تتخوف من احتمال استعمال هذه الأسلحة ضدها، أو من تحولها إلى وسيلة لردعها، أو لتعطيلها وإضعافها. 

وخلص إلى أن أجندة الحكومة الإسرائيلية الحالية تتسم بوضع هذا "التهديد" في رأس سلم اهتماماتها ارتباطا بمسعاها الأعم والأشمل لكبح البرنامج النووي الإيراني، ولذا لا يمكن الاستهانة بما تصرح به، ولا يجوز إدراجه ضمن إطار سياسة التهويل وحسب، وذلك على الرغم من أنها "تتفنن" بأداء هذه السياسة على مختلف الصعد.

 سلاح الهندسة شرع بزراعة الألغام بالجولان على طول مناطق وقف إطلاق النار (الجزيرة)

سيناء والجولان
وتطرق البروفيسور إيال زيسر -الباحث بالشأن السوري والمحاضر بجامعة تل أبيب ومدير مركز "موشي ديان" لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا- إلى مراحل الأزمة بسوريا ونقاط الضعف والقوة لنظام الرئيس الأسد، مشيرا إلى أن الثورة الشعبية التي بدأت بالأرياف بشكل سلمي ومع اتساع رقعتها لتصل إلى المركز والمدن تنذر باندلاع حرب أهلية ستؤدي  بنهاية المطاف لهزيمة النظام الذي بات يجد صعوبة بالسيطرة على الجيش الذي يشهد انشقاقات متتالية.

وردا على سؤال للجزيرة نت حول الموقف الإسرائيلي من الأسلحة الكيماوية السورية وما خلقته من هواجس بتل أبيب، قال "الخوف الإسرائيلي ليس من النظام وليس حتى من المعارضة السورية، بل الخوف والخطر أن يصل هذا السلاح لحزب الله، وبالتالي فإن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي وستشن حربا أو حملة عسكرية ضد حزب الله، خصوصا أن هذا السلاح الكيماوي يقلق جميع دول الجوار".

وتخشى إسرائيل بحسب زيسر من تحول هضبة الجولان إلى سيناء، وعليه تعيد انتشار قواتها على خط وقف إطلاق النار تحسبا لأي طارئ في سوريا، خاصة إذا ما قرر نظام الأسد تصعيد خطواته ضد حركة المعارضة واستعمال الأسلحة الكيماوية للقضاء على الاحتجاجات، وما يترتب على ذلك من نزوح لاجئين نحو إسرائيل، وما قد يرافق ذلك من فوضى وفقدان نظام الأسد سيطرته التامة على البلاد وما سيحدثه هذا الفراغ من تمركز قوات إسلامية على الحدود بهضبة الجولان.

المصدر : الجزيرة