الطفل الحمصي بلال اللبابيدي الذي قتل فجر الجمعة محمولا على الاكتاف قبيل دفنه في مقبرة الرمثا (الجزيرة نت)
 
محمد النجار-عمّان

"كانت المرأة تمسك بي وترجو الله أن لا أتركها وحيدة فيما كان الرصاص يتطاير حولي من كل مكان، والحمد لله تمكنت من تأمينها بعد الاختباء لست ساعات"، بهذه الكلمات لخص أبو شريف صورة عاشها بنفسه كونه أحد السوريين المعنيين بنقل العائلات السورية من الحدود نحو الأردن في الرحلة اليومية لمئات اللاجئين الفارين بأرواحهم.

ويصف أبو شريف رحلته اليومية مع شبان من الجيش السوري الحر المنتفض على نظام الرئيس بشار الأسد واللاجئين في طريقهم نحو الأردن بأنها إما أن تكون موعدا مع حياة جديدة أو مع الموت.

فجر الجمعة الماضي كانت رائحة الموت حاضرة في الطريق من تل شهاب السورية حتى الحد الأردني في قرية الطرة, الذي يمتد لنحو كيلومتر واحد ويعتبر الأصعب في طريق اللاجئ السوري نحو الأردن.

وأثناء خروج المئات من اللاجئين نحو الأردن بحماية الجيش الحر أطلقت قوات النظام السوري الرصاص عليهم من كمين كانت أعدته سابقا.

ووصل الرصاص للطفل الحمصي بلال اللبابيدي (4 سنوات) الذي كانت والدته تحمله في حضنها وهي تحاول الوصول به للأردن, أملا في أن يعيش حياة تختلف عن الموت الذي طاردهم خلال أكثر من سنة ونصف من عمر الثورة على نظام الأسد.

ووصل الطفل للحد الأردني مصابا وقد نزف الكثير من دمائه، نقلته سيارة إسعاف تابعة للجيش الأردني لمستشفى الرمثا الحكومي لكنه وصل متوفيا متأثرا بجراحه، وتقدم والداه جنازته في اليوم التالي حيث دفن في الرمثا التي وصلها جثة هامدة.

وشهدت تلك الليلة أعنف اشتباكات بين الجيشين الأردني والسوري على الحد الأردني أدت لإصابة جندي أردني, ودفعت بالعشرات من الجنود والضباط السوريين على الحد السوري للانشقاق والهروب للأردن.

والد الطفل اللبابيدي يحمله إلى مثواه الأخير الجمعة الماضية بمقبرة الرمثا (الجزيرة نت)

تأمين الحدود
الجزيرة نت تحدثت عبر الهاتف مع "أبي حسين" وهو أحد جنود الجيش الحر المعنيين بتأمين طريق اللاجئين نحو الأردن.

ويقول أبو حسين إن طريق اللاجئين السوريين نحو الأردن تبدأ من كافة مناطق سوريا، حيث يتم التنسيق بين أشخاص من مدن سوريا كافة مع آخرين في محافظة درعا، ليقوم الدرعاويون بالاتصال بالأشخاص المعنيين بتأمين الحدود من الجيش الحر لتنسيق وصول العائلات.

ويستدرك بأن وصول هؤلاء لمحافظة درعا يتم عادة عبر طرق فرعية تستغرق ساعات طويلة, نظرا للمخاطر الأمنية التي يتخللها المرور بمناطق تتعرض للقصف وحواجز الجيش النظامي.

ويتابع "تصل العائلات للمنطقة المحددة بالسيارات ويتم تجميعهم ببيوت في اليوم المحدد حتى ساعات المساء، وتتراوح مدة التجميع بين الساعة واليوم الكامل نظرا للوضع الأمني، وهو ما يزيد معاناة العائلات التي تتكون في الغالب من نساء وأطفال وعدد قليل من الرجال".

ويضيف أبو حسين "نضطر لتقسيم اللاجئين لمجموعات، خاصة وأن الأعداد في الأيام الأخيرة باتت تتجاوز السبعمائة في الليلة الواحدة".

ويتحدث عن مواقف إنسانية غاية في الصعوبة أثناء التقسيم حيث تقوم عائلات بتقسيم أفرادها بين عدة مجموعات وتوديع بعضها أملا في وصول البعض إن تم إطلاق الرصاص أو أسر البعض الآخر, كما حدث قبل شهرين عندما وصل أطفال بلا أمهاتهم اللواتي اعتقلهن كمين للجيش النظامي داهم اللاجئين في طريقهم نحو الأردن.

وأهم الصعوبات التي تواجه عملية نقل اللاجئين -بحسب أبو حسين- هي نقلهم لنقطة الأمان ومن ثم كشف الطريق وتأمينه من جنود الجيش الحر والأهم أن كل المراحل تتم تحت جنح الظلام ووسط الصمت.

قرية الطرة الأردنية في آخر نقطة قبل الحدود الأردنية السورية (الجزيرة نت)  

أطلق الرصاص
ويقول أبو حسين "نوصي اللاجئين وخاصة النساء والأطفال بالصمت وعدم الحديث طوال مدة الوجود بالمنطقة الحدودية حتى الوصول للأردن، ومع ذلك نجد الصراخ والبكاء يعلو المكان عندما يبدأ إطلاق الرصاص وهو ما يزيد من صعوبة مهمتنا".

ويضيف "اضطررنا أحيانا لإغلاق أفواه من يصرخون بأيدينا حفاظا على حياتهم، وفي مرات واجهنا جلوس نساء وأطفال على الأرض وخوفهم من الاستمرار مع كثافة الاشتباكات، والأسوأ أن يتفرق الناس ولا ينصاعوا لإرشاداتنا".

ويصف مراحل نقل الجرحى بالأكثر صعوبة، ويقول "لدينا فريق طبي يرشدنا لحالة الجريح فنقوم بوضعه على حمالة وننقله محمولا، وهو ما يبطئ حركة المجموعات التي يوجد فيها عادة جرحى".

أما عن الأطفال فيقول أبو حسين "لدينا أطفال تعودوا على الاشتباكات والتنقل ليلا لذا لا تجد أي علامات خوف على وجوههم، ولدينا آخرون تجدهم مرتبكين وخائفين ويرجفون أحيانا خوفا من الظلام الدامس".

وفي كل مراحل نقل اللاجئين يرافق جندي من الجيش الحر المجموعة حتى تصل للجنود الأردنيين الذين يصف أبو حسين دورهم بالإنساني الذي يخفف عن الجرحى أحزانهم وآلامهم.

وتحتضن مقبرة مدينة الرمثا العشرات من جثث اللاجئين السوريين الذي يصلون للأردن جرحى قبل أن ينقلوا للمستشفيات التي يلاقي بعضهم مصيره فيها, ومنذ الأربعاء الماضي شيع للمقبرة أربعة سوريين منهم اثنان يوم الجمعة فقط.

وكما تتجاور درعا مع الرمثا، تتجاور قبور السوريين والأردنيين في المقبرة التي يلاحظ الزائر لها أسماء سورية إلى جانب الأردنية، وفيما تشيع الغالبية من السوريين بعضا من عائلاتهم شيع سوريون آخرون دون حضور أحد من معارفهم ليكون موتهم غربة تضاف إلى غربتهم عن وطنهم.

المصدر : الجزيرة