الصوماليون يموتون بأمراض سهلة العلاج مثل الإسهال والملاريا والحصبة (الجزيرة نت)
عبد الفتاح نور-بوصاصو

عرض غياب الكوادر الطبية في الصومال أرواح الشعب للخطر, مثلما تحصد الحروب الأهلية أرواحهم, وأصبح الموت يحاصرهم من كل جهة.

وقال الوكيل العام لوزارة الصحة الصومالية دعالي آدم محمد إن الصومال تواجه أزمة إنسانية بالغة التعقيد متمثلة بغياب كادر طبي مؤهل يباشر العمل الطبي، ويخفف من معاناة الشعب الصومالي وويلاتهم المستمرة طيلة العشرين سنة الأخيرة.

وأشار دعالي خلال حديثه مع الجزيرة نت إلى أن غياب الكوادر الطبية في الصومال يشمل جميع التخصصات والمجالات الطبية، وذكر أنها ليست محصورة بالأطباء فقط، بل طاقم التمريض والعاملين في مجالات الفحص الطبي والأشعة السينية والخبرات الصيدلية وكلها تخصصات غير موجودة في الساحة الطبية الصومالية.

وأضاف أن الصوماليين يموتون بأمراض سهلة العلاج مثل الإسهال والملاريا والحصبة، وأيضا حالات من الوفيات أثناء فترة الولادة، وهذه الأمراض لا يوجد في سجلات بعض الدول على أنها أمراض خطيرة تزهق أرواح المواطنين, "لكننا ما زلنا ندفع الثمن غالياً، نتيجة غياب الكوادر الطبية وسوء التشخيص الناجم عن انعدام أجهزة الفحص وعدم كفاءة الأطباء العاملين في المجالات الصحية".

ولفت دعالي إلى أن مدينة مقديشو وحدها يعيش فيها ما يربو على مليونين ونصف مليون نسمة ولا يوجد فيها سوى سبع مستشفيات عامة وعشر مستشفيات خاصة تفتقر إلى أدنى مقومات ومواصفات المستشفيات، من حيث الفريق الطبي العامل وجودة المعدات الطبية المستخدمة فيها.
دعالي: يعيش في مقديشو أكثر من 2.5 مليون نسمة وليس فيها سوى سبع مستشفيات عامة (الجزيرة نت)
هجرة الكوادر
وبعد انهيار الحكومة الصومالية واستفحال الأزمة السياسية والأمنية هاجر الأطباء إلى الخارج، بحثاً عن مكان آمن كغيرهم من العقول الصومالية في كل المجالات، وبقي في الساحة أعداد قليلة من الأطباء لا يستطيعون وحدهم التعامل مع أعداد المرضى، الذين يزدادون بسبب سقوط ضحايا جدد في دوامة العنف الدائرة في البلد.

ومن بين من يعمل في داخل الصومال عمر إسماعيل محمد وهو طبيب العيون الوحيد الذي يعمل في مدينة بوصاصو الساحلية في أقصى شرق الصومال والبالغ عدد سكانها سبعمائة ألف نسمة، ويضطر عمر -حسب ما ذكر للجزيرة نت- إلى أن يعمل فترات كثيرة داخل عيادته الخاصة، لاستقبال المرضى وإعطائهم الوصفة الطبية وإجراء المعاينات اللازمة.

وعمر إسماعيل هو طبيب صومالي درس طب العيون في أوروبا وعمل في إحدى مستشفيات جمهورية فنلندا، ويقول إنه عاد إلى الصومال بعد أن اكتشف حاجتها الماسة إلى كوادر طبية تقوم بشغل الفراغ الطبي الناجم عن انهيار الحكومة المركزية، وهجرة الكوادر الطبية واستقرارها خارج الصومال.

ويضيف عمر "أناشد جميع الأطباء الموجودين في خارج البلد العودة إلى الديار ومساعدة المنكوبين من أبنائهم، الذين يعانون من ويلات الحروب، ولا بد للأطباء أن يضمدوا الجراح ويساهموا في تخفيف معاناة الصوماليين بدل الاستقرار في دول متقدمة وصلت حد الاكتفاء الذاتي في مجالات الطب المختلفة".

وفي سياق حديثه عن أمراض العيون التي تصيب الصوماليين أشار الطبيب إلى أن مرض المياه الزرقاء "الجلوكوما" هو الأكثر شيوعاً من بين أمراض أخرى كالالتهابات المنتشرة على نطاق واسع بين الصوماليين.

معتبراً في الوقت ذاته أن انعدام الوعي الصحي الضروري هو مما يزيد من معاناة المرضى ويفاقم من أوضاعهم الصحية المتردية.

علي عبدي: تعاني الصومال منذ انهيار الحكومة المركزية من مشكلة غياب الكادر الطبي (الجزيرة نت)


تخريج كوادر
أما البروفيسور أبشر علي عبدي عميد كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة شرق أفريقيا في بوصاصو فيقول إن الصومال منذ انهيار الحكومة المركزية تعاني من مشكلة غياب الكادر الطبي.

وأوضح أبشر -في تصريح للجزيرة نت- إن مناطق بونتلاند الصومالية التي يعيش فيها ما يربو على ثلاثة ملايين نسمة يعمل فيها ستون طبيباً فقط، وهو عدد قليل بالمقارنة مع عدد السكان الذين يعيشون في هذه المناطق.

وذكر أبشر أن هناك بعض التخصصات الطبية التي تشهد غياباً كلياً عن الساحة الطبية في الصومال، ومن بين هذه التخصصات: الأنف والأذن والحنجرة، وأطباء الأعصاب، والأمراض الجلدية، وكذلك الجراحة بمختلف تخصصاتها.

وأشار إلى أن هناك فجوة حقيقية بين من تخرج في الكليات الطبية طيلة سنوات الحرب، وهم لا يتجاوزون عشرين طبيبا -حسب آخر الإحصاءات- وبين عدد السكان المتضررين جراء الحروب والمشكلات الداخلية.

ويضيف "لا بد من التفكير بجدية في كيفية الحصول على كوادر بشرية طبية مدربة، وهذا لا يتحقق إلا بتدشين صروح علمية تعمل كصمام أمان للمجتمع الصومالي، وتخرج كوادر طبية يعملون جنباً إلى جنب مع الكوادر السابقة أصحاب الخبرات العملية المديدة في المجال الطبي في الصومال، وفي حال نجحنا في هذا الأمر فإننا حاولنا قدر الإمكان إيجاد حلول جذرية لمشكلة غياب الكوادر الطبية في الصومال".

المصدر : الجزيرة