حوى: الأطفال هم الأكثر تأثرا بالأحداث الدائرة في سوريا وتجب إعادة تأهيلهم بعد نجاح الثورة (الجزيرة)

محمد النجار

زار الفنان السوري يحيى حوى المناطق الشمالية في بلاده لمدة ثلاثة أيام، وبمجرد خروجه أكد أن الأرياف الممتدة من إدلب وحلب وحتى حماة وحمص تقع تحت السيطرة الكاملة للجيش السوري الحر، الذي يخوض حربا ضد قوات نظام الرئيس بشار الأسد.

لكنه نقل شكواهم من قلة التسليح وخاصة السلاح النوعي الذي يحسم المعركة، أو على الأقل يمكنّهم من تغيير الموازين فيها.

وتحدث حوى -في حوار مع الجزيرة نت- عن مشاهداته بعد عودته من زيارة لمناطق ريف إدلب وحماة، مؤكدا السيطرة الكاملة للجيش السوري الحر على كافة هذه المناطق. كما روى معاناة الناس في هذه المناطق جراء الغلاء وانقطاع مواد أساسية، رغم معنوياتهم العالية والتفافهم حول الجيش الحر.

الجزيرة نت التقت الفنان يحيى حوى فكان الحوار التالي:

عدت من سوريا قبل أيام بعد أن دخلتها متسللا من جنوب تركيا، حيث كنت قد خرجت من سوريا هاربا بعد مقتل والدك هناك في أحداث حماة قبل ثلاثين عاما، صف لنا ما حدث معك؟

- حقيقة إنني ما زلت أعيش وسط شعور لا يمكنني وصفه لأن من ذاق عرف، الشعور فوق الوصف، وينتابني شعور العزّة لأنني بفضل الله دخلت متسللا، بحماية ثوار سيرغمون أنف جزار الشام عن قريب إن شاء الله.

فقد دخلت إلى بلد كان تحكمه قبضة أمنية شديدة جدا بكل أريحية رغم التسلل، دخلت في وضح النهار وأمام الناس، وهذا ما أشعرني بأنني دخلت معززا ومنتصرا ولم أدخل خائفا أو ذليلا، أو تحت مساومات وغيرها.

خرجت من سوريا طفلا بعد أن استشهد والدي عام 1982، وكنت وإخوتي برفقة والدتي، وأذكر أنني ركبت قطارا ووقفنا طويلا على الحدود، ولا أعرف إلا أننا كنا فارين بأرواحنا من هناك

ولكن حتى يعرف القارئ، كيف خرجت من سوريا أصلا قبل ثلاثين عاما؟

- خرجت من سوريا طفلا بعد أن استشهد والدي عام 1982، وكنت وإخوتي برفقة والدتي وكنا أطفالا، وأذكر أنني ركبت قطارا ووقفنا طويلا على الحدود، ولا أعرف إلا أننا كنا فارين بأرواحنا من هناك.

نعود لدخولك إلى سوريا، دخلت من تركيا، فهل تسمح السلطات التركية للناس بالتسلل من أراضيها لسوريا؟

- نحن جئنا إلى منطقة فيها جزء من الأسلاك الشائكة (الشيك) مقطوعة، وأبلغنا الجنود الأتراك أننا سوريون ونريد العودة لوطننا وهم يسمحون ولا يمانعون، وعندما دخلتُ كنت مرتبا مع أشخاص كانوا ينتظرونني بسيارة، ونقلوني مباشرة لإحدى ثكنات الجيش الحر وبدأت رحلتي من وقتها.

تتحدث عن ثكنات وكأنه هناك أعداد كبيرة من الثوار؟

- أنا زرت ثكنات عدة ووجدت فيها أعدادا متفاوتة من الجنود، وفيها تدريبات وضبط عسكري وهناك تثقيف للجنود، ففي اليوم الأول حضرت درسا لأحد الشيوخ في ليلة النصف من شعبان، وهذا كان في منطقة طعوم.

وماذا رأيت في شمال سوريا؟

- دخلت إلى كافة مدن ومناطق ريف إدلب، وخلال الأيام الثلاثة التي قضيتها هناك شاهدت سيطرة كاملة للجيش الحر والثوار على الأرض على كل الريف ويتنقل جنودهم بحرية، أما عصابات الأسد فهي مختبئة في حواز معينة ولا يخرجون منها على الإطلاق، بل إن الجيش الحر انتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، وشاهدت بنفسي حواجز للجيش الأسدي مدمرة ومسيطرا عليها من الجيش الحر.

صف لنا سيطرة الجيش الحر، هل هو موجود في ثكنات أم في الشوارع أم يؤمن هذه المناطق، كيف يسيطر؟

- الجيش الحر موجود في كل المناطق، له ثكنات كما قلت، وله حواجز، وهو ينظم الأمور بدل الأمن الداخلي في مفاصل الحياة كافة، إضافة لدوره القتالي المعروف ضد النظام.

ماذا عن أعداد جنود الجيش الحر والأسلحة التي يملكونها؟

- الأعداد جيدة وأنا شاهدت شبانا من حماة وحمص وحلب، وحتى شاهدت ضابطا من درعا وكان قائد كتيبة، وبعضهم حضر للتدريب في ريف إدلب والعودة لمنطقته، وآخرون انخرطوا في القتال من هناك، والحقيقة أن المسؤولين عن الجيش الحر أبلغوني بأن هناك طرقا تصل ريف إدلب بريف حماة بريف حلب بريف حمص مسيطرا عليها بالكامل من الجيش الحر.

تتحدث عن الأرياف، فما سر الزخم التي تحظى به الثورة هناك؟

- الحقيقة أن الأرياف هي التي نهضت بالثورة السورية، والسبب في اعتقادي هو أن الناس هناك مترابطون من حيث أواصر القربى، ويعرفون بعضهم ويميزون الثائر من العميل، إضافة إلى أن هذه الأرياف هي الأكثر معاناة من ظلم النظام وهي الأكثر فقرا، ولكن يجب أن يدرس لغز الأرياف في الثورة السورية.

جنود الجيش الحر منهم من انشق عن الجيش النظامي، لكن الغالبية يشكلها سوريون أدوا الخدمة العسكرية منذ زمن، وأعمارهم من سن الـ 17 حتى 53

ماذا عن تسليح الجيش الحر؟

- التسليح قليل جدا ولا يوصف، شاهدت شبانا معهم رشاشات، وآخرين يتدربون وهم يحملون العصي لأنه لا يوجد سلاح لتدريبهم عليه، ومعاناة الجيش الحر الأساسية هي التسليح القليل، وخاصة السلاح النوعي الذي يحسم المعركة أو على الأقل يمكنّهم من تغيير الموازين فيها.

فهم لديهم شح في حشوات أر بي جي، ويقولون إنهم لو امتلكوا الصواريخ المحمولة على الكتف لتغيرت المعادلة في الحرب مع النظام بالكامل، وأبلغني أحد القادة أنه لا يمكن شراء هذه الأسلحة إلا من دول.

وما نوعية جنود الجيش الحر، هل هم جميعهم منشقون عن الجيش النظامي؟

- هناك نسبة من المنشقين، لكن الغالبية من السوريين الذين أدوا الخدمة العسكرية منذ زمن، وأعمارهم من سن 17 حتى 53.

وكيف رأيت وضع الناس؟

- سؤال رائع، البيوت نصفها أو أكثر فارغ، فالناس غادرتها لتركيا والأردن ولبنان ومناطق أخرى أكثر أمنا، أما الناس الموجودون فمعنوياتهم عالية جدا بوجود الجيش الحر، لكن الغلاء هو ألد أعدائهم، لديهم غلاء فاحش في كافة المواد وخاصة الأساسية، وهناك شح كبير في السلع الأساسية، وخاصة مشتقات البترول.

شاهدت في إحدى المحطات طابورا طويلا من السيارات والدراجات، وكانوا ينتظرون البنزين حتى يأتي، يعني هم لا يصطفون لتعبئة مركباتهم بل ينتظرون مجيء البنزين ساعات طويلة.

وكذلك ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية والخضار بنسبة أربعة أضعاف سعرها السابق، وأذكر أنني دخلت خيمة افتتحتها عائلة بمناسبة خروج ابنها -وهو ملازم أول منشق- من الأسر في صفقة تبادل مع النظام، وفوجئت بأن والد هذا الضابط يوزع على الناس الخبز فرحا بخروج ابنه، وهذا يدلك على معاناة الناس.

ماذا عن المدارس والدوائر العامة؟

- لا توجد مدارس تعمل لأن غالبيتها جرى هدمه جراء القصف وهي بقايا مبان، ولا يوجد رجال شرطة أو مراكز أمنية أو دوائر حكومية، والجيش الحر هو الذي يقوم بكل النواحي من خلال لجان شعبية شكلها لهذه الغاية.

والموظفون بلا عمل، وهم يقولون إن الحكومة لم تدفع رواتبهم منذ ثلاثة أشهر، وكأنها تعلن أنهم في منطقة خارج سيطرتها، وأبلغني أطباء في مستشفيات حكومية أن تزويد وزارة الصحة للمستشفيات الحكومية توقف.

الموظفون بلا عمل، والحكومة لم تدفع رواتبهم منذ ثلاثة أشهر، وتزويد وزارة الصحة للمستشفيات الحكومية توقف تماما

ما هي الفئة الأكثر معاناة من خلال مشاهداتك؟

- الحقيقة أن الأطفال هم الأكثر معاناة، لا أنسى أنه لما حدث قصف على سراقب في الليل بدأت المساجد في التكبير، فجاء طفل كنت أجلس عند والده مرعوبا يسأل عن سبب التكبير، لأنه يربط بين التكبير وبين المداهمات، وظل في حالة هلع حتى تمكن والده من تهدئته.

في مشهد آخر، كنت في زيارة لبيت أحد الشهداء فجاءت ابنته الطفلة الصغيرة، وقالت لي تعال شوف، فأخذتني إلى باب البيت وقالت لي "هنا قتلوا البابا وهذا دمه"، وآثار الدم كانت فعلا على الجدار، زرت بيوتا محروقة لإخوة يعيش فيها الأطفال وهي على سوادها، ولا أدري كيف سيعيش طفل في بيت محروق.

 وفي اعتقادي أن الثورة تحتاج بعد نجاحها لجيش يعيد تأهيل الأطفال بالذات.

وهل تتوفر الكهرباء في سوريا؟

- الكهرباء لا تذكر، لأنها تأتي ساعتين أو ثلاثا فقط، والناس تحاول الحصول على المولدات الصغيرة.

أنت زرت مناطق شمال سوريا، وقبلك زارها عضو المجلس الوطني السوري برهان غليون، ما أثر زيارات أمثالكم -أو الناس من الخارج- على الناس والجيش الحر؟

- الرسالة هي أن النظام فقد السيطرة تماما على شمال سوريا، والأمر الثاني أن الثوار طلبوا مني إقامة حفلات لرفع معنويات الناس، وأنا أقمت أربع حفلات إحداها خاصة بالأطفال.

الرسالة الأخرى أنهم بحاجة بشكل أساسي للأطباء الجراحين، وهناك شح كبير في هؤلاء الأطباء، وهم بحاجة أيضا لمشاهير من كافة التوجهات -وخاصة من الإعلاميين والفنانين- لبث الأمل في الشباب بالذات، وهناك دعوة للعلماء المعتدلين للدخول وتربية شبابنا على استيعاب السوريين لبعضهم بعد النصر إن شاء الله.

ألم تشعر بأن هناك من يريد الانتقام بناءً على أبعاد طائفية؟

- لم أشعر نهائيا بوجود أي نَفَس طائفي لدى جنود وثوار الجيش الحر، والحقيقة أنني مررت بقرية علويّة اسمها "الفوعة" على ما أذكر تقع ضمن مناطق سيطرة الجيش الحر وهي محاطة بالقرى السنية، ورغم أن القرى السنية مدمرة وأهلها مهجرون فإن أي شخص لم يقم بأي فعل تجاه هذه القرية، وهذا مثال على أن الناس لا تحمّل العلويين مسؤولية جرائم النظام.

هل تحضّر لعودة أخرى إلى سوريا؟

- نعم أستعد الآن لإحياء حفلات في ريف حلب، وإن كنت أتوقع -إن شاء الله- أن ندخل دمشق قريبا بعد سقوط النظام.

هل من موقف طريف أو لافت مررت به وترغب في إطلاع الناس عليه؟

- قصة طريفة مررنا بها، هي أننا كنا في بيت أحد الثوار فدخل شاب ملتحٍ وسلم علينا وجلس، فقام شخص وسأله عن أحد الأشخاص وما إن كان يذكره، فلم يذكر الشاب الملتحي، فقال له السائل هذا السجان الذي كان سجانا علينا في سجن صيدنايا لأربع سنوات، فقاموا وقبلوا بعضهم وحضنوا بعضهم بشكل جميل، وكانوا يبكون لأن الله حولهم من أعداء إلى مقاتلين جنبا إلى جنب ضد النظام.

المصدر : الجزيرة