الكتلة الإسلامية في ليبيا حلت حتى الآن في المرتبة الثالثة (رويترز)

أمين محمد-طرابلس

بدت نتائج الانتخابات التي شهدتها ليبيا السبت الماضي مفاجئة ومخالفة لكل التوقعات التي كانت تعطي دائما التقدم للتيارات الإسلامية، سواء بالنظر إلى الوضع الداخلي المتعلق بليبيا والذي يتميز بالحضور البارز وحتى الطاغي في بعض الأحيان للتيارات الإسلامية في مجتمع معروف بالمحافظة، أو بالنظر إلى الوضع الإقليمي والعربي الذي يتميز هو الآخر بصعود لافت للتيارات الإسلامية وخصوصا في انتخابات ما بعد ثورات الربيع العربي.

وخلافا لتلك التوقعات، تصدر تحالف القوى الوطنية -ذو الخلفية الليبرالية- المشهد الانتخابي، وحل حزب العدالة والبناء المقرب من الإخوان المسلمين تاليا في هذه الانتخابات، وهو ما قلب الموازين رأسا على عقب، وفتح الباب واسعا أمام تحليلات وتفسيرات متعددة لما جرى.

ورغم أن تلك النتائج تتعلق بالقوائم الانتخابية (80 مقعدا فقط) ولا تخص الترشيحات الفردية التي تستحوذ على الجزء الأكبر من مقاعد المؤتمر الوطني العام (120 مقعدا)، فإن ذلك لا يقلل من المعنى والدلالة السياسية لما حدث، حتى لو تمكن الإسلاميون من تحقيق نصر معتبر على المستوى الفردي، بالنظر إلى نقاط القوة التي يتمتع بها التحالف مقابل نقاط ضعف عديدة حدت من أداء الإسلاميين.

عصام الزبير: جبريل استغل بقوة حصاد فترته في حكومة ما بعد الثورة (الجزيرة نت)

نقاط قوة
ويشير المحلل الليبي عصام محمد الزبير إلى أن التيار الذي يقوده محمود جبريل استغل بقوة -في خطابه السياسي- حصاد الفترة التي وجد فيها على رأس حكومة ما بعد الثورة، علما بأن الانطباع السائد بين الليبيين أن جبريل  كان عراب الاعتراف الخارجي بثورتهم، وساهم بقوة في جلب الاحتضان الدولي لها في وقت حساس من تاريخها، وهو ما جلب له الكثير من الحظ وخصوصا على مستوى عامة الناس.

ومن بين نقاط قوة التحالف -بحسب الزبير- أنه استطاع جمع عدد كبير من الأحزاب والشخصيات ذات المكانة الاجتماعية والقبلية، وهو ما وفر له قوة انتخابية واضحة.

ويشير عبد الباسط بن اشبيل -وهو صحفي ليبي- إلى أن من بين الأسباب التي أدت إلى تقدم القوى الليبرالية مقابل محدودية النتائج التي حصلت عليها الأحزاب الإسلامية بالنظر إلى ما كان متوقعا ومنتظرا منها، هو الوسطية والالتزام الديني الذي يتمتع به جميع الليبيين، مما جعل الدعوات ذات الطبيعة "الإسلامية" لا تجد لها مكانا بينهم لأن الجميع يحمل نفس الراية ويتقاسم نفس الدعوة، حسب قوله.

وتوقع اشبيل أن يتجه الجميع نحو التجمع والتكتل استفادة من تجربة الأخطاء التي حدثت أثناء الانتخابات الأخيرة، التي خاضتها الطبقة السياسية بشكل متوزع ومتشرذم عبر مئات الكيانات السياسية.

أروى النعاس: الشعب الليبي كشف
عن ضعف في الوعي السياسي (الجزيرة نت)

نقاط ضعف
والانقسام هو ما أضر بالإسلاميين أكثر حسب المقربين منهم، فبينما عمد قائد تحالف القوى الوطنية محمود جبريل إلى تجميع كل الكيانات والأحزاب والشخصيات المرتبطة به في كيان واحد، دخل الإسلاميون الليبيون بكيانات موزعة وطاقات مبددة، عبر نحو ستة أحزاب سياسية وعدد من المرشحين المستقلين.

وتعتقد الصحفية الليبية أروى النعاس أن ذلك الانقسام الإسلامي مقابل التجمع الليبرالي هو الذي مهد الطريق واسعا أمام النتيجة التي ظهرت بعد الانتخابات، بعد أن كان الجميع يتوقع أن ينجلي غبارها عن نتائج مبهرة للتيار الإسلامي بحكم سوابق النضال والتضحية وواسع البذل والمشاركة في ثورة 17 فبراير، ولكن جاءت النتائج دون التوقعات.

وتشير إلى أن الليبيين أبانوا عن ضعف في الوعي السياسي وعدم اطلاع على التاريخ الليبي، ربما بحكم الكبت والقمع الذي كان يواجههم به نظام العقيد الراحل معمر القذافي، مشيرة مع ذلك إلى أن الإسلاميين يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية جراء عدم قدرتهم على إيصال خطابهم ومشروعهم وتقديم أشخاصهم ومرشحيهم إلى عموم الناخبين.

في المقابل تعتقد أروى بأن تحالف جبريل استطاع فهم طبيعة الشعب والاقتراب من نبضه العام، كما بدأ حملته الانتخابية مبكرا بعد خروج جبريل من الوزارة، في حين انشغل الإسلاميون بالتكوين التنظيمي والضبط الإداري لأحزابهم وكياناتهم السياسية الناشئة للتو عن النزول إلى الشارع والاتصال بالناس.

ويشير امراجع عتيق -وهو صحفي ليبي- إلى أن الإسلاميين تأثروا أيضا بالانطباع السائد لدى فئات عريضة من الشعب الليبي -ربما بسبب خطاب إعلامي كان سائدا- أنهم متطرفون ومتشددون، كما أن الممارسات والأخطاء التي ارتكبها الثوار في مرحلة ما بعد التحرير أثرت بشكل عام على صورة التيار الإسلامي، وربما حرمته من بعض الأصوات التي كانت محسومة لصالحه في السابق، بينما اتجه التحالف إلى أسلمة خطابه عبر تبني المرجعية الإسلامية وأخذ مسافة من الخطاب الليبرالي السائد عربيا.

المصدر : الجزيرة