الصحفيون بإسرائيل مقتنعون بضرورة حفظ الأمن القومي لكنهم يرون في محاكمة صحفي تهديدا لحرية الصحافة

محمد محسن وتد-أم الفحم

حذر صحفيون وكتاب مقالات إسرائيليون من مغبة تقييد العمل الصحفي وتقليص صلاحيات وسائل الإعلام وإعادة رسم دائرة العمل الصحفي من قبل المؤسسة الأمنية والعسكرية، وذلك عقب توصية المستشار القضائي للحكومة يهودا فينشتاين بتقديم الصحفي أوري بلاو مراسل صحيفة هآرتس للمحاكمة بتهمة التجسس لحيازته وثائق سرية خاصة بالجيش الإسرائيلي.

وأجمع صحفيون وكتاب على ضرورة الحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي، لكنهم يرون بمحاكمة صحفي تهديدا حقيقيا لحرية الصحافة وقدرتها على مراقبة السلطة ومؤسساتها المختلفة والكشف عن حقائق وخفايا الأمور للجمهور.

ويرى هؤلاء الصحفيون أن الإعلام الإسرائيلي وبسبب النزاع والصراع المتواصل بالمنطقة يعمل -خصوصا بحالات الطوارئ والحروب- بتنسيق وتناغم واتفاق في ظل الرقابة العسكرية التي لا توجد بديمقراطيات أخرى.

وكان الصحفي بلاو قد نشر تقريرا عام 2008 في صحفية هآرتس اعتمادا على ألفي وثيقة سرية سربتها له المجندة عنات كام التي عملت سكرتيرة بالقيادة العسكرية للمنطقة الوسطى.

وكشف بلاو في تقريره بأن الجيش الإسرائيلي خطط ونفذ عمليات اغتيال لقيادات فلسطينية بشكل يتنافى وقرارات قضائية، كما تمت تصفية بعض القيادات عمدا رغم توفر الظروف لاعتقالهم على قيد الحياة، وقد ألحقت هذه العمليات قتلى وجرحى بصفوف المدنيين الفلسطينيين.

الإعلام الإسرائيلي يعمل في ظل الرقابة العسكرية وقانون طوارئ قديم

المسموح والمحظور
ويرى مقدم البرامج في القناة العاشرة المحامي رفيد دروكر أن الصحفي بلاو قام بمهمته وعمل حسب القواعد الصحفية، ويوضح أن بلاو "تلقى معلومات من مصدر مهم تعتمد على وثائق سرية، ونشر أجزاء منها بتصديق وإقرار من الرقابة العسكرية، وما تبقى معه من وثائق كانت لغرض عمله دون أن تكون له نية أو عزم على استعمالها للإضرار بدولة إسرائيل أو أمنها".

وبين دروكر -في حديثه للجزيرة نت- أن العمل الصحفي في إسرائيل بالقضايا الحساسة يجري في ظل الرقابة العسكرية بموجب قانون الرقابة العسكرية بحالات الطوارئ من العام 1945 من فترة الانتداب البريطاني، وعليه فتقديم بلاو للمحكمة ليس لأنه تجاوز الرقيب العسكري بل لسلوكه الصحفي وقيامه بعمله "وهذا مؤشر خطير على الديمقراطية في إسرائيل".

ووصف دروكر آليات العمل الصحفي في ظل الرقابة العسكرية والمسموح به والمحظور تجاوزه بالقول "هناك منظومة عمل متعارف عليها، وهناك إجماع بأن الأمن القومي هو خط أحمر يحظر تجاوزه، وبالتالي يحق للرقيب العسكري شطب أي تقرير صحفي تكمن فيه معلومات قد تشكل خطرا على أمن إسرائيل".

صراع متواصل
بدوره تساءل الكاتب بصحيفة هآرتس رؤبين بدتسور عن الدوافع الحقيقية وراء قرار تقديم بلاو للمحاكمة، لافتا إلى أن المستشار القضائي للحكومة الذي اتخذ القرار يعي جيدا أن الصحفي بلاو ليس جاسوسا، وعليه فقد اختار المستشار أن يكون مبعوثا وجنديا للمؤسسة الإسرائيلية وتحديدا الأذرع الأمنية والعسكرية بصراعها المتواصل بحرية الصحافة والإعلام.

واستبعد بدتسور -في حديثه للجزيرة نت- أن تشكل حيازة صحفي إسرائيلي لوثائق عسكرية سرية أي خطر على الأمن القومي الإسرائيلي، مؤكدا أنه احتفظ بوثائق في غاية السرية كغيره من المراسلين العسكريين في جميع وسائل الإعلام وأن النيابة العامة تعرف هذه المعلومة، و"عليه لو كان هناك أي خرق للرقابة العسكرية أو الإضرار بالأمن لكان بالإمكان تقديمهم جميعا للمحاكمة بحسب البند 112 من قانون العقوبات الذي يقضي السجن سبع أعوام لمن يدان بحيازة وثائق سرية".

الصحفي شطيرن: المؤسسة الإسرائيلية تسعى إلى إعادة رسم حدود الإعلام

ردع وتصعيد
من جهته يرى الصحفي يؤاب شطيرن أن ملف الصحفي بلاو يكشف عن المعضلة القائمة بكل ما يتعلق بالحفاظ على العمل الصحفي وحرية التعبير قبالة الأمن القومي والصراع المتواصل على أسس الديمقراطية، مع التأكيد على أن الجميع يعمل بالموافقة والاختيار بموجب منظومة الرقابة العسكرية لما فيه المصلحة القومية العليا للدولة.

وقال شطيرن للجزيرة نت إن الحديث يدور بهذه الحالة عن محاكمة الصحفي وليس عن تجاوز حدود الرقابة العسكرية.

وحتى باعتراف المخابرات فإن بلاو قام بموجب الاتفاق بإعادة جميع الوثائق السرية، وعليه فقرار المحاكمة ما هو إلا رسالة ردع للصحفيين يفهم منها أن الصحفي الذي لن يروق نهجه وأسلوبه وعمله للمؤسسة وأذرعها المختلفة ستتم ملاحقته قضائيا وقد يواجه السجن.

ولفت الصحفي شطيرن إلى أن المؤسسة الإسرائيلية تسعى بهذه المرحلة إلى إعادة رسم حدود عمل وصلاحيات الإعلام، وحالة الصحفي بلاو "تمثل تصعيدا مؤسساتيا على الإعلام وتغييرا بقواعد اللعبة ما بين القضاء ووسائل الإعلام  التي قد تجد ذاتها رهينة للأجهزة الأمنية وقد تكون ملزمة برفع تقاريرها بشكل متواصل  للمؤسسة العسكرية، وهو ما يتنافى وأسس العمل الصحفي".

المصدر : الجزيرة