في ليبيا حكم الدولة أم المليشيات؟
آخر تحديث: 2012/6/23 الساعة 13:45 (مكة المكرمة) الموافق 1433/8/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/6/23 الساعة 13:45 (مكة المكرمة) الموافق 1433/8/4 هـ

في ليبيا حكم الدولة أم المليشيات؟

عشرات المليشيات تنشط في ليبيا منذ إسقاط حكم العقيد القذافي (الفرنسية-أرشيف)
 
إلياس تملالي  
 
كان عبد الناصر رحومة نائما الاثنين الماضي عندما اقتحم بيته ليلا في العاصمة الليبية طرابلس عشرات المسلحين، واقتادوه وعمه إلى أحد المعتقلات، وهناك أوسعوه ضربا ولم يقولوا له لمَ اختطفوه، لكنه رجح أن يكون ما حدث تصفية لحسابات داخل العائلة.

قال لرويترز "لم أعتقد أنني سأستطيع النجاة بنفسي".

لكن رحومة نجا بعد أن طلبت عائلته تدخل قوات الحكومة، فلم يقض لدى خاطفيه إلا بضع ساعات.

آخرون في ليبيا لم يكونوا محظوظين مثله، فقد قضوا –إن لم يقتلوا أصلا- أشهرا عديدة معتقلين في أماكن سرية.
آثار التعذيب بادية على جسم رحومة بعد الإفراج عنه (رويترز)

القاضي جمعة حسن الجزاوي –الذي قالت مصادر حكومية وقضائية إن له علاقة بملف قائد أركان جيش التحرير الليبي يونس عبد الفتاح– قتل هذا الأسبوع بإطلاق نار في بنغازي، وكان أحدث حلقة في حلقات الانفلات الأمني في ليبيا.

بصلاحيات دولة
لا يعرف في أغلب الأحيان من يطلق النار، أو من يعتقل ولحساب من، فالمجموعات المسلحة التي تنشط منذ إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي قبل عشرة أشهر، تعد بالعشرات، وهي تلعب دورا رئيسيا في الساحة الأمنية والسياسية، وتمارس صلاحيات الشرطة والقضاء من اعتقال وتحقيق. 

إحداها تحتجز منذ أشهر نجل العقيد الراحل سيف الإسلام، وما زالت ترفض تسليمه إلى المجلس الوطني الانتقالي.

قبل بضعة أسابيع تحدث باحث في هيومن رايتس ووتش عن نحو 250 مليشيات تنشط في مصراتة وحدها.

وحسب هذه المنظمة الحقوقية يوجد 7000 شخص رهن الاعتقال في ليبيا، 4000 منهم لدى مليشيات مختلفة، تمارس عليهم صنوفا من التعذيب، وينتهي الأمر ببعضهم مقتولا أحيانا.

يقول رحومة لرويترز: "نسمع في التلفزيون أن ليبيا آمنة، لكن بعدما لحق بي، فإنني لا أرى أين هو هذا الأمن".

تعتبر بعض المنظمات غير الحكومية المليشيات أحد أهم التحديات أمام ليبيا ما بعد القذافي، التي تسعى لبناء دولة تقوم على المؤسسات.

لكن لا مؤشرات واضحة بعد على أن الحكومة الليبية استطاعت افتكاك الدور الأمني من المليشيات، التي سيطرت إحداها على مطار طرابلس الشهر الماضي، مما عطل الملاحة الجوية بضع ساعات.

بعض المليشيات لا علاقة لها بالثورة
نفوذ ومصالح
وقد أقر وزير العدل الليبي في أبريل/ نيسان الماضي لإحدى المنظمات الحقوقية الدولية بأنه لا يعرف بالضبط عدد المعتقلين لدى المليشيات لأن بعضهم محتجز في سجون سرية.
 
بعض المعتقلين أوقفوا بحجة ارتكابهم جرائم خطيرة، لكن رئيس المرصد الليبي لحقوق الإنسان ناصر الهواري يتحدث عن معتقلين آخرين احتجزوا لقتالهم مع قوات القذافي، أو لأسباب تتعلق بخلافات أسرية أو قبلية.

تقول الباحثة المختصة في الشؤون الليبية في مجموعة الأزمات الدولية كلاوديا غاتزيني في لقاء هاتفي مع الجزيرة نت إن حجة بعض المليشيات في عدم تسليم سلاحها أن الحكومة ضعيفة وتخليها عن السلاح قد يعني عودة أنصار القذافي.

لكن ناصر الهواري من مرصد حقوق الإنسان يؤكد أن مليشيات عديدة لا علاقة لها بالثورة وقد تشكلت بعد مقتل القذافي، لحماية مصالح شخصيات معينة تريد قوة تؤثر بها على المجلس الانتقالي، وباتت تمتلك أسلحة حتى الدبابات والمدفعية.

حكومة المجلس الانتقالي تجد اليوم نفسها ممزقة بين الرغبة في بسط سيطرتها، وحاجتها أحيانا لهذه المجموعات المسلحة.

تقول كلاوديا غاتزياني "للمجموعات المسلحة مصالح شخصية وأحيانا مالية، فهي توفر الحماية لبعض البنايات والبنى التحتية، وحتى مجرد تسليمها لأماكن تحتلها قد يكون بمقابل".

ينجر عن ذلك أن للمليشيات مصلحة في استمرار الوضع لأنه يعني أن الحكومة ستواصل الاعتماد عليها، حسب هذه الباحثة في مجموعة الأزمات. 
وتضيف غاتزياني أن الحكومة الحالية تفضل التعاطي مع مهمتها الأصلية وهي تنظيم انتخابات المجلس التأسيسي ولا ترغب في تفويض واسع، وبالتالي تتعاطى مع النزاعات التي تظهر حالة بحالة دون خطة بعيدة المدى للسيطرة على الأوضاع.

حقوقيون يقولون إن مليشيات عديدة لا علاقة لها بالثورة (الفرنسية-أرشيف)
وقد دعت هيومن رايتس ووتش قبل أيام المرشحين لانتخابات المجلس التأسيسي -التي تنظم الشهر المقبل- من شخصيات مستقلة وكيانات سياسية لشرح خططهم لإنهاء مشاكل التعذيب والتوقيف التعسفي.

لكن ناصر الهواري يرى أن المجلس القادم حتى وإن امتلك السلطة القانونية، فإنه قد لا يمتلك الآليات العملية لمواجهة الظاهرة، مذكرا بالتضارب الحالي بين صلاحيات وزارة الدفاع وقيادة أركان الجيش.

إفلات من العقاب
في مايو/ أيار الماضي، أصدر المجلس الانتقالي قانونا تعفي إحدى مواده فعليا من الملاحقة مرتكبي الانتهاكات من رجال الجيش والأمن والمدنيين إن حدثت في إطار "إنجاح أو حماية الثورة"، وهو قانون دانته منظمات حقوقية لأنه يكرس حسبها الإفلات من العقاب.

يرى ناصر الهواري من مرصد حقوق الإنسان أن المجلس الانتقالي ليس من حقه تشريع قوانين لها صفة الديمومة، لأن هذه المهمة يجب أن تناط بهيئة منتخبة.

ويقول للجزيرة نت إن القانون تجسيد لحالة استقواء تمارسها مليشيات "تريد حماية أفرادها وقادتها من الملاحقات" على مجلسٍ وطني لم يعد يمتلك الشرعية الشعبية ويريد النأي بنفسه عن الصدام خاصة أنه سيسلم السلطة.
المصدر : الجزيرة