التيار السلفي في الخليج واجه ارتباكات في التعاطي مع ثورات الربيع العربي (الجزيرة)
 
ياسر باعامر-جدة
 
خمسة تحديات رئيسية تواجه الفكر السلفي بشقيه "التقليدي والحركي" في الخليج العربي، عقب ثورات ما اصطلح عليه بالربيع العربي، تلك هي خلاصة دراسة سياسية سيصدرها مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي المتخصص في الحركات الإسلامية.

وتضع الدراسة -التي حصلت الجزيرة نت على نسخة منها ويفترض أن تنشر في أغسطس/آب القادم- على رأس التحديات "المواءمة بين المنهج والحالة الطارئة بعد الثورات في مرحلة المشاركة السياسية في البرلمان أو الحكم".

وينحصر التحديان الثاني والثالث في كيفية استقبال القواعد السلفية -خاصة الحركية منها- الإطارات الشرعية التي كانت مناهضة للديمقراطية والسياسة الوضعية، ودخول عدد من الأحزاب السلفية إلى دهاليز السياسة في الحالتين المصرية واليمنية.

أما التحدي الرابع فالموقف المتشدد من المشاركة السياسية للمرأة، ويتمحور التحدي الخامس في تخوف الخليجيين من فشل أقرانهم في الدول المذكورة في المشاركة السياسية.

الارتباك السياسي
وأشارت الدراسة إلى حصول ارتباكات كبيرة عند السلفيين في الخليج عموماً، وفي السعودية خصوصا التي تفاوتت مواقفها من "ثورات الربيع العربي" وإن بدت واضحة في "الثورة السورية".

الباحث في شؤون الظاهرة الإسلامية عزيز الغامدي يوضح للجزيرة نت أنه عند استعراض القراءات التحليلية ومتابعة الواقع يلحظ قاسم مشترك بين عموم مواقف التيار السلفي جوهره "الارتباك" في تعاطي السلفيين مع عناصر الفعل السياسي الجديد في المنطقة.

وقد كان هذا واضحا بعد ثورة تونس، لكنه برز بشكل أكثر في التعاطي مع الثورة في مصر، وعلة ذلك -وفقا للغامدي- هو ربط موقفهم بالأنظمة الخليجية وبخاصة "السعودية والإمارات" اللتين ناهضتا الثورة المصرية لحساب أمنهما القومي.

 أدبيات السلفية التقليدية تتميز بالطاعة المطلقة لولي الأمر، والإقصاء لأي محاولات ترمي لتقديم خطاب سياسي مخالف للسائد الرسمي، وتحريم فكرة الانتخابات، والأحزاب، وأي حديث عن مشروعية الاحتجاج السلمي

الثورات والسلف
السلفية التقليدية التي وصفتها الدراسة "بالرسمية" تتميز أدبياتها بالطاعة المطلقة لولي الأمر، والإقصاء لأي محاولات ترمي لتقديم خطاب سياسي مخالف للسائد الرسمي، وتحريم فكرة الانتخابات، والأحزاب، وأي حديث عن مشروعية الاحتجاج السلمي.

ورأت الدراسة أن هذه المدرسة تظل غير مرشحة للتغير في خطابها السياسي، المرتكز على رؤية تتحرك وفق فلسفتها في فضاء المصلحة الشرعية، التي تعظِّم من فكرة الاستقرار، وتعيش حضوراً نفسياً متخوفاً دائماً من "الفتنة" المحتمل حدوثها عند أي اختلاف سياسي، ولو كان مشروعاً بالطرق السلمية لارتباطها التاريخي بالنظام السياسي.

ومثلت الدراسة لذلك بانتقاد عضو هيئة كبار العلماء في السعودية الشيخ صالح الفوزان في إحدى محاضراته المسجلة فكرة تأسيس حزب النور السلفي المصري ودخوله البرلمان، معتبراً أن الوضع في مصر فتنة الأصل تجنبها حتى تنتهي، وليس الانخراط فيها، ومؤكداً على الموقف الأصيل من اعتبار الأحزاب وسائل تجر إلى "فتن واقتتال".

وفي مقام آخر أجاب عن سؤال -أثناء الثورة المصرية- يتعلق بشرعية مطالبة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك بالتنحي عن سدة الحكم بقوله "إذا رأى أن يتخلى عن الحكم، دفعًا لما يخشى من فتنة، وما قد يحدث من سفك دماء، وإتلاف أموال ونهب وغير ذلك، إذا رأى ذلك فأرجو أن يكون في ذلك الخير".

النموذج السعودي
تحدثت الدراسة أيضاً عن إشكالية تعيشها السلفية الحركية السعودية (المعروفة بالسرورية نسبة لأحد شيوخها محمد سرور زين العابدين) تتمحور في طبيعة تكوينها، وغياب تجربتها السياسية التي أفقدتها كثيراً من محاولات التصور للمسألة.

ثم إن استمرار الركون للخطاب الموروث الرافض للديمقراطية بحسب الدراسة غير ممكن، خاصة في ظل نجاح سلفية الربيع العربي وبخاصة الأحزاب السلفية المصرية "النور والأصالة والبناء والتنمية" التي قدمت نفسها عبر روح الشريعة، وبخطاب وسطي مفاجئ للساحة.

تلك المعطيات -بحسب الدراسة- جعلت رموز المدرسة السعودية يبدؤون في محاولات التعاطي مع واقع ديمقراطي جديد يكون خطابهم فيه مؤسسا أصيلا وشريكا ضمن مشروع وطني، والتنظير لهذه المرحلة يعني بطبيعة الحال إعادة قراءة ميراث فقهي سياسي امتد لسنين طويلة.

ورأى القائمون على الدراسة أن الخطاب السعودي يلزمه أن يدرك أن الثورة العربية السلمية كانت إيذاناً بالانتقال إلى نموذج الحياة المدنية الديمقراطية، ورفضاً لفكرة المواجهة مع الديمقراطية، التي استقرت الأدبيات السلفية التقليدية الرسمية والحركية على رفضها.

وأشارت الدراسة إلى أن تشكيل وعي جمعي متفق على رفض النموذج الديمقراطي الغربي، كان قادراً على الصمود في مراحل سابقة -رغم محاولات الاختراق التي مارستها أدبيات فكرية إسلامية مختلفة كالإخوان- لكن بروز تيار تنويري يخرج من العباءة السلفية، وينقلب على مفرداتها التأسيسية، ويلتزم في المقابل بخطاب مدني إصلاحي، يدفع باستدعاء النموذج الديمقراطي الغربي للحالة الإسلامية.

المصدر : الجزيرة