عبد العظيم محمد الشيخ

بدأ التغلغل العسكري الأميركي في أفريقيا يأخذ أبعادا جديدة ويكتسب نشاطا إضافيا بعد أن منحت الولايات المتحدة في مايو/ أيار الماضي الضوء الأخضر لجيشها للانتشار بشكل واسع في القارة السمراء التي ظلت حتى وقت قريب خارج بؤرة اهتمام واشنطن.

ومن المقرر أن ترسل الإدارة الأميركية قوة مؤلفة من ثلاثة آلاف من جنودها تقريبا إلى هناك في وقت تعكف فيه المؤسسة العسكرية على التوسع في عملياتها الاستخبارية عبر إنشاء شبكة من القواعد الجوية الصغيرة للتجسس على مخابئ من تسميهم صحيفة واشنطن بالإرهابيين من تخوم الصحراء الكبرى إلى الأدغال الاستوائية.

وبموجب الخطة الموضوعة سينتشر الآلاف من الجنود الأميركيين في عدة مدن أفريقية للاضطلاع بمهام مراقبة وملاحقة "الجماعات الإرهابية" التي تتمركز في بعض "الدول الفاشلة" بالقارة مما يزعزع استقرار الدول المجاورة لها، وفقا لتصريحات بعض المسؤولين الأميركيين.

أفريكوم
وستكون هذه القوات تحت إمرة القيادة الأميركية لأفريقيا المعروفة اختصارا باسم "أفريكوم"، وتُعد إضافة نوعية للوجود الأميركي الحالي في القارة حيث يتمركز في الوقت الراهن أكثر من 1200 جندي في معسكر "لمونييه" بجيبوتي.

وإلى جانب تلك القوات هناك مائة جندي جرى نشرهم بأوغندا لمطاردة زعيم جيش الرب للمقاومة جوزيف كوني.

وقد أنشئت أفريكوم -ومقرها مدينة شتوتغارت في ألمانيا- بقرار من الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش في 2007.

وكان أول من تولى قيادتها الجنرال ويليام وارد، ثم أُسندت من بعده للجنرال كارتر أف هام في 9 مارس/ آذار 2009.

وتمتد حدود مسؤولية أفريكوم إلى كل القارة الأفريقية باستثناء مصر التي تقع ضمن مسؤولية القيادة الأميركية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى (سنتكوم).

وطبقا لقرار إنشائها، فإن أفريكوم منوط بها حماية مصالح الأمن القومي الأميركي والدفاع عنها عن طريق تقوية القدرات الدفاعية للدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية. كما تكلف حسب التعليمات بالقيام بعمليات عسكرية بغية "ردع وإحباط أي تهديدات عابرة للحدود، وتوفير أجواء آمنة تساعد على إرساء حكم رشيد وقيام تنمية".

وترى صحيفة واشنطن بوست أن دولة بوركينا فاسو تصلح لأن تكون مركزا رئيسيا لشبكة التجسس الأميركية في القارة الأفريقية.

بعض المراقبين يرون أن واشنطن بتوغلها في أفريقيا إنما تسعى لإذكاء عوامل عدم الاستقرار في الكونغو الديمقراطية المضطربة أصلا من أجل الاستحواذ على احتياطياتها الإستراتيجية من معادن الكوبالت والتانتالوم والذهب والألماس

فقد شرع الجيش الأميركي في ترسيخ وجوده في تلك الدولة الواقعة بغرب القارة منذ عام 2007 عندما أبرم اتفاقا يتيح لوزارة الدفاع (البنتاغون) إقامة مفرزة جوية للعمليات الخاصة المشتركة في العاصمة واغادوغو.

وبحلول أواخر عام 2009 كان هنالك 65 فردا من أفراد الجيش الأميركي والمقاولين يعملون من أجل بناء قاعدة جوية صغيرة بالقرب من مطار بوركينا فاسو الدولي.

وتحلق طائرات التجسس التي تنطلق من هناك فوق سماوات مالي وموريتانيا وأطراف من الصحراء الكبرى بحثا عن مقاتلي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

واكتسبت عمليات المراقبة تلك أهمية كبرى في الآونة الأخيرة إثر الاضطرابات التي تشهدها المنطقة بعد انقلاب مارس/ آذار الماضي في مالي الذي أتاح لجماعات متعاطفة مع القاعدة إعلان دولة إسلامية مستقلة في النصف الشمالي من البلاد.

وقال قادة عسكريون أميركيون إن قلقا متزايدا ينتابهم من تفاقم عمليات جماعة بوكو حرام الإسلامية في نيجيريا.

يأتي ذلك في وقت تشرف فيه القوات الأميركية على عمليات تستهدف حركة الشباب المجاهدين في الصومال التي تنتسب إلى تنظيم القاعدة.

وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، ثمة مائة جندي من القوات الأميركية الخاصة تساعد في تعقب زعيم جيش الرب الأوغندي جوزيف كوني.

سر الاهتمام
والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا هذا الاهتمام المفاجئ بالقارة الأفريقية؟ وهل الهدف منه حقا تعقب "الإرهابيين" لدرء المخاطر التي تقعد بالدول الأفريقية عن التنمية، أم أن هناك مآرب أخرى؟

يقول المراسل الحربي الأميركي إريك مارغوليس إن الولايات المتحدة قلقة كذلك من التغلغل الصيني في القارة البكر "الذي يهدف لابتلاع كل الموارد الاقتصادية ويتيح لها نفوذا على حكوماتها".

أما الصحفي والكاتب المستقل نيل بويي -الذي يتخذ من كوالالمبور بماليزيا مقرا لعمله- فيرى في الخطوة الأميركية محاولة لتحرك مضاد للسطوة الصينية الاقتصادية، والولايات المتحدة من أجل ذلك تسعى جاهدة للحد من استيراد الصين لمعادن تراها واشنطن أساسية في صناعة الإلكترونيات كشاشات التلفزيون المسطحة والهواتف الذكية، وبطاريات أجهزة الكمبيوتر المحمولة ومنتجات أخرى عديدة.

ولهذا السبب يعمل الجيش الأميركي على زيادة وجوده في أفريقيا خصوصا في دولة مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تُعد واحدة من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية.

فتلك الدولة تستحوذ على ما يربو على 30% من احتياطيات العالم من الألماس و80% من معدن الكولتان الذي يصنع منه مسحوق التانتالوم وهو عنصر فلزي شديد الصلابة يدخل في صناعة الإلكترونيات والأسلاك.

ولم يكن اعتماد الصين في قفزتها الاقتصادية غير المسبوقة على أسواق الولايات المتحدة وأستراليا والاتحاد الأوروبي وحدها، بل على القارة الأفريقية كذلك التي تمدها بتشكيلة واسعة من المواد الخام.

يرى بعض المراقبين أن واشنطن بتوغلها في أفريقيا إنما تسعى لإذكاء عوامل عدم الاستقرار في الكونغو الديمقراطية المضطربة أصلا من أجل الاستحواذ على احتياطياتها الإستراتيجية من معادن الكوبالت والتانتالوم والذهب والألماس.

ثم إنها تعمل كذلك -كما يقول الكاتب نايل بويي في مقال بأحد المواقع الإلكترونية- على استخدام سياسة الأرض المحروقة عبر خلق أجواء حرب تنطوي على خطورة في الكونغو لدفع المستثمرين الصينيين إلى الرحيل من هناك.

ومثلما استغلت نفوذها في فصل جنوب السودان عن الوطن الأم، فإن الولايات المتحدة ستتخذ من نشاطات مجموعات مثل حركة الشباب المجاهدين الصومالية وبوكو حرام النيجيرية والفصائل التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في شمال أفريقيا، ذريعة قوية لمزيد من التدخل في شؤون القارة السمراء. 

المصدر : مواقع إلكترونية