بالنسبة لمعلوف الفرنسية هي اللغة التي جسّرت "قصة الحبّ بين بلدي الأم وبلدي بالتبنّي" (الفرنسية-أرشيف)

إلياس تملالي


ما الذي يجعل لبنانيا ترك لبنان الحرب الأهلية واختار العيش في فرنسا، يسافر إلى هافانا، لينقب في صحف القرن الماضي بحثا عن إعلان وفاة؟

إنه البحث عن الجذور، التي لا يتردد كاتب كأمين معلوف في اطّراحها عندما تشده أكثر من اللازم للوراء، فهي بالنسبة له لا تصلح إلا عندما تكون "بدايات" للانطلاق نحو المستقبل.

الغوص في الجذور (جذور العائلة كما في "بدايات" وهي سيرة عائلية صدرت في 2004، وفي جذور الإنسانية كلها) هو ما فعله معلوف طيلة ثلاثين سنة من الكتابة، بدأها بالعربية في صحيفة النهار اللبنانية وفضل مواصلتها بالفرنسية، لتتوج مسيرته بانتخابه عضوا في الأكاديمية الفرنسية، عرفانا لما بذل في خدمة لغة جسّرت "قصة الحبّ بين بلدي الأم وبلدي بالتبنّي (فرنسا)"، كما قال في خطابه أمام أعضاء الأكاديمية.

استمد معلوف -الذي أصبح في 2012 ثاني كاتب عربي يدخل الأكاديمية الفرنسية- روح أغلب رواياته من المادة الخام التي توفرها الوثائق التاريخية.

معلوف ثاني كاتب عربي يدخل الأكاديمية الفرنسية (الفرنسية-أرشيف)

لم يهتم، روائيا، إلا بالكتابة عن الحاضر، لأن الماضي فيه كثير من الغنى، ويحمل من الدروس ما يكفي، فهو مرآة اليوم، بصفحاته المظلمة (إسلام ضد مسيحية كما في "الحروب الصليبية كما رآها العرب") لكن أيضا بصفحاته المضيئة (عرب ويهود معا على قوارب المنفى إلى تطوان وتلمسان وتونس بعد ضياع الفردوس الأندلسي كما في "ليون الأفريقي").

الخروف الضال
هذا الغنى حفلت به عائلة معلوف نفسه، التي تلخص بعض الشيء مشهد التعدد في لبنان والشرق الأوسط عموما: جد كاثوليكي، وآخر بروتساتنتي، وثالث لم يخشَ أن يكون الخروف الضال، واختار أن يهزأ بالأعراف، فرفض تعميد أبنائه ليستطيعوا لاحقا اختيار طوائفهم، كما يحلو لهم.

في "بدايات" (الحائزة على جائزة المتوسط) لا يخفي معلوف إعجابه بهذا الجد الثائر، الذي استوحى من سيرته ملامح شخصية أساسية في "صخرة طانيوس"، الرواية التي صدرت في 1993، وكرسته في عالم الأدب ومنحته جائزة الغونكور الشهيرة، بعد أن نالت قبلها "الحروب الصليبية كما يراها العرب" و "ليون الأفريقي" حظا وافرا من النجاح.

بعين العطف ينظر معلوف إلى عالم الجد بطرس، لأن ذلك العالم، على قسوته الشديدة أحيانا، كان قادرا على التسامح مع خرافه الضالة.

حينها "كان مسيحيو لبنان يعتبرون أنفسهم عن طيب خاطر سوريين، والسوريون يبحثون عن ملك في مكة، واليهود في الأراضي المقدسة يعدون أنفسهم فلسطينيين.. وكان جدي بطرس يحب أن يرى في نفسه مواطنا عثمانيا".

المنفى والرحيل

هذه التناقضات داخل العائلة عاشها معلوف بأريحية على أنها غنى، وقد منحته القدرة على التحرر من قيود الدين والطائفة، فكان البعض وهو يقرأ "الحروب الصليبية كما يراها العرب"، يشعر بنفسه أمام كاتب مسلم ينافح عن الإسلام الذي يؤكد معلوف أن تاريخه ليس أكثر عنفا من تاريخ المسيحية.

الجذور تبقي الشجرة أسيرة.. وتغذيها لقاء ابتزاز

التناقضات الشديدة (ظاهريا)، والتي لا تعني بالضرورة الانتهاء بالصدام، ميزة أساسية في روايات معلوف، كما في "صخرة طانيوس" حيث يتحرر البطل من عقدة اللقيط تحديدا على يد من اعتقد مطولا وخطأً أنه أبوه، وكما في "سمرقند"، التي كتبت من وحي مخطوط خيالي عثر عليه في سفينة تايتانيك، رسم معلوف عبره عالما من العلاقات المتشعبة بين الشاعر الكبير عمر الخيام والوزير نظام الملك حسن الصباح أو شيخ الجبل كما يعرف أحيانا.

وإذا كانت الحبكة تجري في "سمرقند" على مساحات شاسعة (تمتد بين آسيا وأفريقيا)، فإن معلوف قادر على معالجة عوالم شديدة التعقيد في محيط ضيق جدا، كما في "صخرة طانيوس"، حيث صراع القوى الكبرى في القرن 19 يجري في قرية صغيرة من قرى جبل لبنان، تحولت بقلمه إلى مجسم لرهانات القوة السائدة حينها.

كانت "صخرة طانيوس" (الحائزة على جائزة الغونكور) بداية لسلسلة من الأعمال نالت نصيبا وافرا من الشهرة، في لغتها الأصلية وفي ترجماتها، بينها روايات (مثل "موانئ الشرق" و"حدائق النور" و"القرن الأول بعد بياتريس"، وكتب ضمت مقالات سياسية (مثل "هويات قاتلة" و"خلل العالم").

المنفى والرحيل سمتان أساسيتان في أعمال معلوف، حيث هما بوابة لتعلم التسامح والمساواة بين البشر، ليسموا بأنفسهم فوق الجذور "التي.. تُبقي الشجرة أسيرة، منذ ولادتها، وتغذيها لقاء ابتزاز: ’لو تحرَّرتِ، تموتين‘"، وليتعلموا أن "الهوية لم تخط في الحجر لكن في الماء".

المصدر : الجزيرة