أعضاء مجلسي الشعب والشورى خلال انتخابهم أعضاء اللجنة التأسيسية للدستور (الجزيرة نت)
 
أنس زكي – القاهرة
 
جاء اتفاق القوى السياسية الرئيسية في مصر على تشكيل اللجنة التأسيسية المكلفة بكتابة الدستور المقبل، لينهي أزمة استمرت في مصر على مدى أسابيع طويلة، وألقت بظلالها على تطورات موازية ومن بينها انتخابات الرئاسة التي وصلت إلى جولة إعادة ينتظر أن تحسم هوية رئيس الجمهورية المقبل في مرحلة ما بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك.
 
وجاء التشكيل الثاني ليشهد اكتفاء حزب الحرية والعدالة، المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين وحزب النور ممثل التيار السلفي بنصف مقاعد اللجنة، بعد أن كان لهما ما يزيد على الثلثين بالتشكيل السابق الذي اعترضت عليه قوى وأحزاب أخرى قبل أن تصدر المحكمة الإدارية حكما بإبطال تشكيل اللجنة.

ولم تكن الولادة الثانية للجنة الدستور سهلة أو يسيرة، حيث اعترضت بعض الأحزاب، إضافة إلى نواب مستقلين، على معايير تشكيل اللجنة، وقرروا الانسحاب من المشاركة، كما عاد المنسحبون لاتهام الحرية والعدالة والنور بمحاولة الاستحواذ على اللجنة اعتمادا على أغلبيتهما بالبرلمان، في حين يرى ممثلو هذين الحزبين أنهم تنازلوا عن حقهم في شغل أغلبية مقاعد اللجنة بما يتناسب مع أغلبيتهم بالبرلمان وذلك من أجل تحقيق التوافق الوطني.

لم تكن الولادة الثانية للجنة الدستور سهلة أو يسيرة حيث اعترضت بعض الأحزاب إضافة إلى نواب مستقلين على معايير تشكيل اللجنة وقرروا الانسحاب

خطوة متأخرة
ومع إشادته بما أبداه الحرية والعدالة خصوصا من تنازل من أجل إعادة تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، وتأكيده للجزيرة نت أنها خطوة جيدة لطمأنة القوى السياسية الأخرى، فإن المحلل السياسي أيمن الصياد يعتقد أن هذه الخطوة تأخرت كثيرا وكان يجب القيام بها قبل ذلك من أجل نزع فتيل التوتر بين القوى الإسلامية وقوى سياسية أخرى.

أما مدير تحرير مجلة الديمقراطية المحلل السياسي بشير عبد الفتاح، فلا يفضل وصف ما أقدم عليه الإخوان المسلمون بأنه تنازل، وإنما يراه تجاوبا مع الواقع مؤكدا للجزيرة نت أنه كان من الصعب أن يتم قبول الوضع السابق الذي شهد أغلبية واضحة للتيار الإسلامي في لجنة الدستور.
 
وأضاف عبد الفتاح أن الإخوان أدركوا أنهم محط حملة تخويف للمجتمع منهم على أساس أنهم يريدون الاستئثار بالسلطة، ولذلك حاولوا توصيل رسائل طمأنة وتواؤم مع الواقع، وهو أمر يدل على مرونة تُحسب للإخوان حتى إن تأخرت نوعا ما.
 
لكن عبد الفتاح يعتقد أن الإخوان قد لا يستفيدون بهذه الخطوة كثيرا بالسباق الجاري حاليا على مقعد الرئاسة بين مرشحهم د. محمد مرسي والفريق أحمد شفيق رئيس آخر الحكومات بعهد مبارك، وذلك بالنظر إلى "قوة الحملة الدعائية التي تشن عليهم في الوقت الحالي" وكذلك بالنظر إلى أن قضية الدستور لا تحتل أهمية كبرى عند عامة الشعب الذين يعدون الهدف الأساسي للحملة الدعائية.

اعتبر نصار أن البعض يرغب في استخدام وسائل الإعلام للإيحاء بوجود أزمات كبيرة (الجزيرة نت)

بادرة مهمة
ويتفق مدير المركز الحضاري للدراسات المستقبلية د. جمال نصار مع هذا الطرح، ويعتقد أن اتفاق لجنة الدستور يمثل بادرة مهمة من جانب الإخوان لطمأنة المتخوفين منهم، لكنها قد لا تحقق الأثر المتوقع بالنظر إلى عدم اهتمام العامة بموضوع الدستور فضلا عن تأثرهم بالحملة الإعلامية التي يتم شنها حاليا على الإخوان ومرشحهم الرئاسي.
 
وأضاف نصار أنه يتصور أن حزبي الحرية والعدالة والنور وصلتهما رسالة بأنه ليس من الحكمة السعي للسيطرة على لجنة الدستور بدعوى أغلبيتهما البرلمانية، وبأن المضمون أهم من الشكل خصوصا وأنه لا توجد خلافات كبيرة بين القوى السياسية على مضمون الدستور المقبل.
 
وعن قرار بعض الأحزاب والشخصيات المستقلة الانسحاب من عملية اختيار اللجنة، اعتبر نصار أن البعض يرغب في تصدير الأزمات، عبر ممارسة دكتاتورية الأقلية واستخدام وسائل الإعلام في الإيحاء بوجود أزمات كبيرة تعترض عملية إنجاز الدستور.
 
ومن جانبه، فقد وصف القيادي بحزب الحرية والعدالة  د. جمال حشمت هذه الانسحابات بأنها "نوع من أنواع الشغب الدائم الذي احترفه البعض لأنه لا يريد أن ينجز هذا البرلمان بأغلبيته ذات المرجعية الإسلامية، تشكيل اللجنة التي ستتولى كتابة دستور مصر الثورة".

استغرب العزباوي الكلام عن تقسيم القوى السياسية المصرية بين مدنية وإسلامية (الجزيرة نت)

حالة استقطاب
وقال حشمت إن القوى السياسية توافقت على معايير تشكيل الجمعية، ولذلك فمن الغريب أن يتراجع البعض ويتحول إلى الصراخ عبر الإعلام بهدف عرقلة الدستور الجديد، والتعبير عن مخاوف وهمية خاصة أن معظم مواد الدستور الجديد محل توافق عام وفي مقدمتها المادة الثانية التي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع.

أما الباحث السياسي د. يسري العزباوي، فيؤكد للجزيرة نت أن ما حدث من تنازع بشأن تشكيل لجنة الدستور مثل تعبيرا عن حالة الاستقطاب بالمجتمع التي سادت الفترة الأخيرة سواء بين عموم المجتمع أو بشأن مؤسسات الدولة وتشكيلها، وهو ما أدى إلى عقبات نتجت في معظمها عن التمسك بالشكليات والأساليب على حساب الجوهر والمضمون.
 
واستغرب العزباوي من يتحدثون عن تقسيم القوى السياسية المصرية بين مدنية وإسلامية، ووصفه بأنه مفتعل وغير مبرر لأن المدني يقابله العسكري، أما التيار الإسلامي فهو تيار مدني، معتبرا أن البعض يسعى لضرب الثورة عبر محاولات بث الفرقة بين القوى السياسية والوطنية المختلفة.

المصدر : الجزيرة