مليونيات ميدان التحرير تشكل موسما مهما للباعة المتجولين (الجزيرة)

أحمد السباعي-القاهرة

لـ"مليونيات" ميدان التحرير وجه آخر غير الثورة ومطالب الشعب، فالباعة المتجولون المنتشرون في طول ميدان التحرير وعرضه أضفوا بعدا اقتصاديا على المشهد الذي يشارك في صياغته عشرات آلاف المصريين حين تدعو القوى السياسية والثورية للمظاهرات وبضعة آلاف إذا امتنعت هذه القوى عن المشاركة.

وفيما يعتبره البعض تشويها "لأيقونة الثورة ورمزها" في إشارة إلى الميدان يرى البعض -أغلبهم من الباعة- "متنفسا اقتصاديا يسعون من خلاله لتحصيل رزق أكبر من الأيام العادية" ببيعهم بضاعتهم بضعفي ثمنها الأصلي أو ربما أكثر، وكلما احتشد الناس أكثر "كانت الغلة أكبر والبيع أكثر".

متظاهرون انتقدوا استغلال الباعة المتجولين لأيام التظاهر ورفع الأسعار (الجزيرة)

غير حضارية
من جهته يقول الموظف حسن إن هذه "المظاهر غير الحضارية" في مكان بات "مقصدا للسياح حاله كحال الأهرامات والنيل" يعطي انطباعا خاطئا عن الثورة المصرية وعن المصريين بسبب "الأوساخ" التي تخلفها "عربات وبسطات هؤلاء الباعة".

ويضيف أن الباعة في الميدان "جشعون" يبيعون الحاجة بأضعاف ثمنها وهذا ما لا يقدر عليه "متظاهر التحرير" الفقير أصلا والذي قدم للميدان بحثا عن تغيير وضعه ووضع عائلته إلى الأحسن وليس إنفاق مدخوله اليومي "على الشاي والكشري والمشروبات الباردة والمياه المعدنية".

ويتفق الطالب أحمد مع ما قاله حسن لكنه يبرر هذا "بالفقر المدقع للناس" الذين أفقرهم النظام المخلوع "وجعلهم عبيد قوت يومهم حتى ينسيهم السياسة ولا يجدوا وقتا للمطالبة بالحرية وحقوقهم السياسية وانتخاب من يمثلهم".

في المقابل يروي سيد -مالك عربة لبيع الترمس- أن "يوم المليونيات يصل مدخوله اليومي إلى مائة جنيه (17 دولارا) أما في الأيام العادية فلا يتجاوز مدخوله اليومي ثلاثين جنيها (خمسة دولارات)"، معتبرا "المليونيات" وجه الخير عليه وعلى زملائه لأنهم ينتظرونها من الأسبوع للأسبوع.

ومع غياب كامل للشرطة والجيش عن ميدان التحرير ومحيطه فكل زاوية في الميدان تحولت إلى "متجر متنقل" يبيع ما لذ وطاب من المشروبات والمأكولات، وكل متر من الشارع الذي يحيط بالميدان مرتعا للعربات المتجولة لدرجة أن عددهم في بعض الأيام يزيد على عدد المتظاهرين.

سيد يحقق أيام المليونيات أكثر من ثلاثة أضعاف دخله في الأيام العادية (الجزيرة)

حركة اقتصادية
أما الفتى حسن -يبيع مكسرات- فيؤكد تحصيله على مائتي جنيه (35 دولارا) في "المليونيات" لينقص هذا الرقم إلى خمسين في الأيام العادية، ويضيف "الشغل أيام الجمعة كويس أوي، ولما أرجع البيت أهلي بيبقوا فرحانين بالغلة (المدخول اليومي)"، متمنيا أن تكون "المليونيات" كل يوم لا أن تكون أسبوعية.

وترحم على بدايات الثورة وما تلاها من مظاهرات كانت تحشد الملايين من الناس "كانت الحالة فلة والقرش يجري بين أيدينا".

في هذا السياق يقول مصطفى -بائع فول وطعمية- إن "البيع يتحسن في المليونيات فقط أما في باقي الأيام فهو أقل من عادي"، وأضاف أنه لا يأتي للتحرير إلا حين تدعو القوى السياسية والثورية للمظاهرات، كاشفا أن مدخوله في المليونيات أربعمائة جنية (نحو 67 دولارا)، وأكد أنه لا يدفع أي "خوة أو أرضية لبلطجية أو أي أحد في الميدان".

ومن يتجولْ في الميدان يرَ عددا كبيرا من المتسولين و"رسامين" للعلم المصري على يدك مقابل جنيه أو أكثر، ناهيك عن ما يخلفه الباعة الذين يحاول بعضهم تنظيف مخلفاته، ويلخص أحد باعة الكشري (أكلة شعبية مصرية) وضع الباعة في الميدان أن في كل المهن هناك من يشوه "سمعة الأكثرية".

ويبقى الميدان فرصة لهؤلاء الباعة إذ "لا يمكن أن تقول لعطشان في الصحراء لا تشرب" وهذا هو حال هؤلاء الباعة الذين هم -معظمهم- معدمون وبينهم موظفون حكوميون راتبهم لا يكفيهم أو خريجو جامعات لم يجدوا عملا فقرروا "تدبير أمورهم".

المصدر : الجزيرة