جرحى الثورة الليبية يعانون من إجراءات مطولة تزيد من آلامهم (الجزيرة-أرشيف)


أحمد السباعي-القاهرة

معاناة ومأساة كبيرتان يعيشها جرحى الثورة الليبية وأصحاب الأمراض المستعصية ممن تكفلت حكومة بلادهم بعلاجهم في مصر، وهؤلاء جزء من برنامج شمل عشرات آلاف الليبيين منتشرين في دول العالم، ممن أصيبوا في الثورة الليبية العام الماضي ضد العقيد الراحل معمر القذافي، وذلك بسبب غياب المستشفيات والأطباء المتخصصين بالبلاد.

القصة بدأت في منتصف أبريل/نيسان حينما توقفت المساعدات لهؤلاء الذين تكفلت بعلاجهم "هيئة الجرحى" قبل أن يتم حلها وإتباعها لوزارة الصحة في حكومة عبد الرحيم الكيب المنتخبة من قبل المجلس الوطني الانتقالي.

قصص ووفيات
ويرجع مسؤول الوفد الليبي في أحد الفنادق المصرية محمد الكمبة هذا التأخر إلى شبهات فساد وهدر أموال شكت الوزارة في وقوعها، مما دفعها لوقف التقديمات المادية وإرسال لجان للتحقيق، ووضع آلية جديدة -اعتبرها غير مفهومة- لصرف الأموال للجرحى والمرضى.

فبعدما كانت "هيئة الجرحى" تتكفل بمصاريف الجريح أو المريض من نفقات السفر إلى الإقامة في فنادق العاصمة المصرية (خمس وأربع نجوم) وشققها المفروشة (يتضمن الأكل والشرب والعلاج) وإعطاء كل شخص ألف دولار شهريا، باتت الوزارة تدفع ثلاثمائة دولار شهريا وأوقفت جميع المدفوعات.

ويقول الكمبة إن هذا الوضع أسفر عن وفاة ثمانية أشخاص على الأقل منذ منتصف أبريل/نيسان بسبب عدم إعطائهم العلاج في الوقت المناسب بسبب نقص السيولة.

ويروي قصة سيدة توفيت في مصر كانت مصابة بمرض عضال بسبب عدم وصول موافقة السلطات الليبية في الوقت المحدد على دفع تكاليف جرعة كيماوية، ولعجائب القدر وصلت الموافقة بعد وفاتها بساعتين.

ويضيف الكمبة أن هذه الحالة واحدة من عشرات بل مئات وصلوا إلى القاهرة وصدموا "بالواقع المر"، محملا المسؤولية للمجلس الوطني الانتقالي ووزارة الصحة لما آل إليه حال الليبيين بمصر والذين تراجع عددهم من نحو 29 ألفا في منتصف أبريل/نيسان إلى حوالي ستة آلاف بعد توقف المساعدات المادية وعودة من شفي لليبيا.

الكمبة: شبهات فساد دفعت المسؤولين لوقف المدفوعات المالية (الجزيرة)

متسلقو الثورة
من جهته يقول الجريح فتحي -أصيب في معركة تحرير سرت- إنه قدم إلى مصر إثر رفض طلبه السفر لألمانيا، لأنه يحتاج إلى بتر ساق مخافة وصول الرصاصة التي أصابت رجله اليسرى إلى العظم.

ولكن ما رواه فتحي لم يكن سوى بداية قصته "المحزنة"، فهذا الرجل الذي وصل مصر مطلع العام الجاري للعلاج سبقه خبر انتشار أورام خبيثة في جسد زوجته مما استدعى نقلها إلى مصر للعلاج.

وبعدما توقفت السلطات الليبية عن تسديد مستحقات المستشفيات، رفض الكثير منها استقبال المرضى، مما أجبر فتحي على علاج زوجته على نفقته (مائة دولار لكل ساعة علاج بالكيماوي وزوجته تحتاج إلى خمس ساعات بالأسبوع).

ومع مرور الوقت تدهورت صحة زوجته وباتت بحاجة إلى عملية جراحية، ورغم تقديمه طلبات وتقارير طبية للسفارة الليبية "الغائبة عن السمع" ولطرابلس لكن "لا حياة لمن تنادي".

ويؤكد أحد المرضى -الذين شاركوا في الحوار- أنه لم يتغير في ليبيا الجديدة سوى "العلم والنشيد"، في حين أن كافة ممارسات النظام "البائد" مستمرة، مشيرا إلى أن "البيروقراطية" في معاملة الجرحى والمرضى زادت بعد تسلم وزارة الصحة الملف، لافتا إلى أن الوزيرة "حالها كحال معظم أفراد حكومة الكيب عاشت في المهجر ولم تعان من ظلم نظام القذافي".

ويوضح أن كل فترة تأتي لجنة تحقيق جديدة وتشرع في عملية جديدة دون مراجعة عمل سابقتها، واعتبر أن هذه "الحالة الطبية المزرية في ليبيا" لم تتسبب بها الثورة لأن الوضع في عهد القذافي لم يكن أفضل بل كان المرضى يعالجون في تونس ومصر والأردن على نفقتهم الشخصية.

ويوجز الكمبة الوضع الحالي بأن الفنادق وأصحاب الشقق بدؤوا يطلبون منهم المغادرة، والمستشفيات لم تعد تستقبل الجرحى والمرضى إلا من يدفع نقدا.

ورغم كل "المعاناة" يُجمع من تحدثت إليهم الجزيرة نت على عدم الندم على الثمن الذي دفعوه من أجل ثورة "أطاحت بطاغية، ولكن ككل الثورات هناك من يفجرها ويعاني منها ومن يتسلق عليها ويغتني من ورائها" حسب وصفهم.

المصدر : الجزيرة