خاص-الجزيرة نت

لم يكن المجنّد السوري رياض مازن كمشة راضيا عمّا يقوم به الجيش من قمع للمتظاهرين واستهدافهم بأسلحته، فكان يتهرب ويتجنب أن يطلق النار عليهم. وقد تحين الفرص للانشقاق إلى أن نال ذلك في معرة النعمان التابعة لمحافظة إدلب، وكما كان التحاقه بالخدمة العسكرية الإلزامية محنة ألمت به في حياته فإن مماته تحول إلى محنة أخرى بعد أن نالت منه رصاصة لرفاق السلاح ليشغل جثمانه أناسا كثيرين بعده.

نشأ الشاب رياض في جوبر بريف دمشق وشرب من بردى، والتحق بالخدمة العسكرية الإلزامية في القوات الخاصة منذ نحو سنة، وكان يتنقّل مع عناصر فرقته في المناطق السورية الثائرة، من الرستن بحافظة حمص إلى جسر الشغور ومعرة النعمان في محافظة إدلب، في محاولة محمومة من الجيش النظامي لإخماد نار الثورة التي اشتعلت في كل أرجاء سوريا.

ويقول (ح) صديق رياض في الفرقة نفسها إنه لم يكن راضيا عمّا يقوم به الجيش من قمع للمتظاهرين واستهدافهم بأسلحته، فكان يتهرب ويتجنب أن يطلق النار عليهم أو أن يشارك في قتلهم.

وما زال رياض ومجموعة من أصدقائه يتحينون الفرص للانشقاق عن الجيش، حتى سنحت الفرصة في السادس من فبراير/شباط الماضي عندما كانت الفرقة تحاول قمع الاحتجاجات في معرة النعمان، فقام رياض ومجموعة من أصدقائه في الفرقة عند حاجز عسكري في المدينة بالانشقاق، وأدركتهم طلقات "رفاق السلاح"، لكنهم نجوا منها سالمين.

بعد انشقاقه عن الجيش النظامي لم يترك رياض السلاح، بل التحق بالجيش الحر متطوعا في كتيبة "شهداء معرّة النعمان"، لينتقل الشاب الدمشقي من قمع متظاهري المعرّة إلى الدفاع عنهم.

وفي الخامس من أبريل/نيسان الماضي اقتحمت قوة راجلة من الجيش النظامي المدينة، فانبرت كتيبة شهداء معرّة النعمان للدفاع عنها.

ويقول (م. س) أحد عناصر الكتيبة إنهم لما هبّوا للتصدي لجيش النظام اكتشفوا أنه قد اتخذ من بعض المدنيين -وفيهم أطفال- دروعا بشرية، فلم يستطيعوا الردَّ على النار بالنار، فكثّف الجيش نيرانه وكان نصيب رياض أن يصاب بطلق في مؤخرة رأسه.

رحلة الألم

المجنّد رياض (يسار) رافعا علامة النصر أثناء حمايته مظاهرة في معرة النعمان
وقد تمّت معالجة رياض في أحد المشافي الميدانية البسيطة التجهيز، لكن حالته ساءت بعد يومين، مما اضطر أصدقاءه إلى نقله إلى المشفى الوطني في معرة النعمان، وهو ما كانوا يتجنبونه لما يعرفون من أن المشافي التابعة للدولة هي وكر لما يعرف بالشبيحة، وأن أكثر المصابين الذين ينقلون إليها ينتهي بهم الحال إلى القبور أو السجون في أحسن الأحوال، بعد جولات من التحقيق مليئة بالألم.

وفي يوم الأحد الثامن من أبريل/نيسان الماضي، أودع رياض العناية المركزة، وبعد يومين وقع ما كان يخشاه رفاقه، حيث يقول الطبيب (ج) إن قوات من الأمن والشبيحة دخلوا غرفته، وقطعوا عنه الأوكسجين، ورموه عن السرير وانهالوا عليه رفسا بالأقدام وضربا بالسلاح حتى فارق الحياة واحتجزوا جثمانه في براد المشفى، حتى سلموه إلى بعض أهالي معرّة النعمان بعد يومين من المفاوضات.

وبعدما تسلم أهالي معرة النعمان جثمان الشاب الدمشقي -الذي لم يرَ أمّه منذ عام- احتشدوا في مظاهرة كبيرة توديعا لضيفهم الشهيد، وحملوه بسيارة برفقة اثنين ليوصلاه إلى أهله في جوبر المفجوعين بفقده، وأخذوا معهم أوراقه النظامية الممهورة بختم المشفى وختم الأمن.

ولكنّ حاجزاً أمنيا عند منطقة الرستن في حمص قام باحتجاز الجثمان ومن معه وتحويلهم إلى سجن في حمص، وهم معتقلون حتى اللحظة.

ولما علم أهالي جوبر بما حلّ بجثمان ابنهم رياض لم يكن منهم إلا أن أدَّوا عليه صلاة الغائب، سائلين الله تعالى ألا يصيب من معه مكروه.

المصدر : الجزيرة