صورة لموقع أثري بمحافظة القصرين تم حفره بالآلات (الجزيرة)

مراد بن محمد -القصرين

يسلك عدد من الشباب في تونس، ممن تقطعت بهم سبل الحصول على عمل، طرقا مختلفة سعيا إلى تغيير حياتهم "اليائسة" حتى وإن تطلب الأمر النبش في باطن الأرض بحثا عن الكنوز والدفائن الأثرية.

مع بداية كل يوم جديد يستعجل العشرات من الشباب قدوم الليل استعجالهم للغنى، وما إن يرخي الليل سدوله حتى تبدأ عمليات الحفر في المواقع الأثرية، وفي مفارقة لافتة يستدل هؤلاء على "الكنوز" بالشعوذة أو الأجهزة المتطورة لكشف المعادن.

يقضي عدد من الشباب العاطلين عن العمل في محافظة القصرين (وسط غرب تونس) الغنية بالمواقع الأثرية نصف يومهم في المقهى والنصف الآخر في البحث عبر المواقع الإلكترونية المتخصصة في الكنوز الرومانية، في محاولة منهم لتجميع المعلومات وفك شفرات الكنوز المزعومة.

القصرين تحتوي على 30% من الآثار في تونس (الجزيرة)

هاجس الكنوز
ورغم الطابع العلمي البارز في تعامل هؤلاء الشباب مع المسألة، فإن الجهات الرسمية تقول إن ثقافة الكنوز المنتشرة لا تتعدى كونها أوهاما.

وتحتوي القصرين على نحو 30% من الآثار في تونس، كما يوجد بها القدر الأكبر من المواقع الأثرية التي تنتشر في القرى بعيدا عن الحراسة، الأمر الذي يسهل عمليات النبش التي أخذت أشكالا جديدة بعد الثورة من خلال استعمال الآلات والجرافات.

لا يجد ل - خ (25 عاما) حرجا في الحديث للجزيرة نت عن تجربته في البحث عن الكنوز، ويقول "أحاول التحسين من حالي، أنا حاصل على شهادة علمية ولا أعمل ولا يبدو لي أني سأشتغل، فقد قضيت نصف عمري في الدراسة وفوّتت فرصة تعلم مهنة أخرى، وما أفعله في نظري أسهل حل للعيش بكرامة".

ويروي كيف أنه يتطهر ويصلي قبل التوجه إلى النبش ويسلم نفسه لـ"العرّاف" ليحصنه من الجن ويبدأ في النبش مستعملا آلات يدوية وآلات صناعية كبيرة، ويمتنع المتحدث عن كشف أماكن الحفر التي وجد فيها آثارا، وكيفية التواصل مع الخبراء للتأكد من صحة ما يتم العثور عليه.

ومثله يقول ص- د (35 عاما) "لو أني وجدت عملا بعد تخرجي لما أقدمت على سلك هذا الطريق الذي لم أجن منه شيئا حتى الآن"، ويشير إلى أنه يحلم كل ليلة أن يبزغ الفجر وقد أضحى من الأثرياء حيث "أن التشويق ورؤية المؤشرات على وجود الكنوز، نراها رؤية العين".

ويقول ج- ع ، وهو رب عائلة ويحاول منذ سنوات العثور على كنز "تصور لو أن الحكومة أجرت جردا لجميع المواقع الأثرية وحاولت استخراج هذه الكنوز ربما سنستفيد أكثر ماديا، وترك هذه الكنوز أو الآثار تحت الأرض ليس حلا".

عبد اللطيف مرابط اعتبر أن تصديق الناس لوجود كنوز مدفونة هو من الخرافات (الجزيرة)

خرافات
في المقابل، يعتبر عبد اللطيف مرابط وهو مكلف بمهمة حماية التراث لدى وزارة الثقافة أن ما يذهب إليه الناس من تصديق لوجود كنوز مدفونة هو من الخرافات، موضحا أنه منذ القرن التاسع عشر لم تعثر تونس عليه سوى 30 كنزا بالمفهوم العلمي أي ما يمكن أن يقدمه الاكتشاف من معلومات.

وبين في حديثه للجزيرة نت أن البعض يحاكم في قضايا تتعلق بالتجارة أو البحث في الآثار، لافتا إلى أنه مهما كانت قوة الدولة فإن هذه الظواهر تجد طريقا إلى نفوس المواطنين.

 ودعا إلى ضرورة إيجاد حل لتنمية الجهات الفقيرة خاصة سياحيا حتى يشعر المواطن بقيمتها ولا يرى آثارها مجرد أحجار لا فائدة منها.

من جانبه يقول محمد علي الرتيمي مسؤول التراث بمحافظة القصرين "إننا نواجه مشكلة انتشار عقلية البحث عن الكنوز والاتجار بالآثار التي تفاقمت مع تردي الوضع الأمني في البلاد".

وأوضح أن الحفاظ على الآثار واجب الجميع في انتظار أن تملك الأجيال القادمة الوسائل التي تمكنها من البحث عنها والتي نفتقدها حاليا، حسب تعبيره.

ويضيف الرتيمي أنه من خلال السنوات العشر التي قضاها في القصرين وبحكم تعوده على الناس وتعودهم عليه يسأله البعض عن معلومات بخصوص بعض الآثار، لكنه يؤكد أن البحث عن الآثار والكنوز لا يخضع لقاعدة وأن 99% منها ليست سوى عمليات تحيل.

المصدر : الجزيرة