المختار العبلاوي

اجتهد محللون اقتصاديون في توقع حجم الخسارة المالية في حال ما إذا خرجت اليونان من الاتحاد الأوروبي، وقال أقلهم تشاؤما إن الرقم سيصل إلى تريليون دولار، مشبهين ما سيقع إن وقع بانهيار بنك ليمان برذرز الأميركي في سبتمبر/أيلول 2008 -وكان ذلك حينها ذروة الأزمة المالية العالمية- بينما كان آخرون أكثر تشاؤما ورأوا أن الخسارة لا يمكن حسابها وأن الضرر فوق المتوقع.

ومن الذين يدعمون وجهة النظر الأخيرة، عضو منتدى ري ديفاين الاستشاري في بروكسل سوني كوبر الذي نقلت عنه صحيفة غارديان البريطانية مؤخرا أن "من يقول إن انسحاب اليونان من منطقة اليورو ليس مهما لا يعرف عما يتحدث أو أن له مآرب أخرى، إذ أن الضرر الاجتماعي والسياسي الذي سينتج عن ذلك لا يمكن حصره".

وبالإضافة إلى سيناريوهات تتوقع تساقطا متتاليا لدول القارة العجوز في حال سقطت أضعف حلقات العقد الأوروبي وهو اليونان، يشبه بعض المحللين خروج أثينا من الاتحاد الأوروبي بالإعصار المدمر الذي سيخلف خسائر فادحة سيكون المتضرر الأول منها جيران اليونان. ولا يضع هؤلاء جميع دول الاتحاد في خانة واحدة بل يميزون بينها وفق استعداد كل منها على مواجهة العاصفة المالية والقدرة الزمنية على تحمل تداعيتها.

يونانيون يتظاهرون أمام برلمان بلادهم احتجاجا على إجراءات التقشف (الأوروبية-أرشيف)

اليونان:
وسيتعين على أثينا المعنية الأولى بالموضوع، في حال انسحابها من الاتحاد الأوروبي، العودة إلى عملتها المحلية التي ستفقد تقريبا نصف قيمتها أو ربما أكثر وفق محللين اقتصادين، وستكون الحكومة المحلية مجبرة على مواجهة ما سيترتب عن ذلك من نتائج نتيجة انخفاض قيمة الدراخما بالإضافة إلى تحويل الديون السيادية –التي تقدر بالمليارات- من اليورو إلى العملة المحلية.

ولم ينتظر بعض اليونايين وقوع هذا السيناريو والبلاد تسير نحو المجهول، وسارعوا إلى سحب أموالهم من البنوك تجسيدا للمقولة الشهيرة في عالم الاقتصاد "الرأسمال جبان"، وسحبوا في نوفمبر/تشرين الثاني 2011  خمسة مليارات يورو (6.7 مليارات دولار).

في المقابل، أوضحت وثيقة كشفت عنها وكالة رويترز للأنباء أنه إذا قررت أثينا الخروج من منطقة اليورو فإن الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي سيقدمان لأثينا أكثر من خمسين مليار يورو
(63 مليار دولار) لتسهيل انتقالها من مرحلة العضوية إلى مرحلة الانفصال.

ماك وليامز: انسحاب منظم لليونان قد يكلف منطقة اليورو نحو ثلاثمائة مليار دولار. أما في حال انسحاب غير منظم فإن التكلفة قد تصل إلى تريليون دولار.. إن نهاية اليورو بشكلها الحالي أمر حتمي

الاتحاد الأوروبي:
وكانت الدول الأوروبية تنظر بعين التفاؤل إلى كل دولة جديدة تلتحق بالاتحاد، وترى فيه عامل قوة يضاف إلى عوامل أخرى مكنت القارة العجوز من خلق اتحاد اقتصادي وسياسي ينافس كبرى القوى العالمية.

غير أن الأزمة المالية وأزمة اليونان الخانقة هزتا أسسا بهذه المعادلة في ظل وقوع تضرر متفاوت بين الأعضاء، وتباين قدرة كل عضو على استيعاب صدمة الأزمة ومواجهة التحديات القائمة خاصة بين اقتصاديات كبرى قوية (ألمانيا)، وأخرى صغيرة ضعيفة (اليونان) لم ينفع معها لا التحفيز ولا التقشف.

وبعد أن أصبح من الميؤوس تحريك عجلتها الاقتصادية، أضحى الهم الحالي إبقاءها حية ترزق ولو بالأوكسجين المالي من منطلق أن إعلان الوفاة سيضر بالدول الأخرى التي بعضها مصاب بنفس أعراض الأزمة المالية، والانهيار يترصدها من كل جانب، وحالة اليونان المستعصية على العلاج حتى الآن ماثلة أمام الأذهان.

هذا الواقع الاقتصادي العليل، شخصه الرئيس التنفيذي بمركز البحوث الاقتصادية والأعمال بلندن ماك وليامز بالقول إن انسحابا منظما لليونان من اليورو قد يكلف منطقة اليورو 2% من ناتجها المحلي الإجمالي أي نحو ثلاثمائة مليار دولار. أما في حال انسحاب غير منظم فإن التكلفة قد تصل إلى تريليون دولار قبل أن يضيف "إن نهاية اليورو بشكلها الحالي أمر حتمي".

رئيس البنك المركزي البريطاني: منطقة اليورو تمزق نفسها، وبريطانيا لن تكون بمنأى عن ذلك

إسبانيا:
ستكون مدريد من أكثر المتضررين نتيجة خروج اليونان من منطقة اليورو، فاقتصادها يعاني من صعوبات جمة، وأمام فشل اليونان في مواجهة أزمتها المالية وطلبها المزيد من حزم الإنقاذ، قالت صحيفة غارديان إن رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي أبلغ البرلمان بأن بلاده تجد صعوبة في إيجاد الأموال بسبب ارتفاع كلفة القروض إلى أرقام فلكية. علما بأنها لم تلجأ لبرنامج إنقاذ.

إيطاليا:
يترقب الإيطاليون الأخبار الواردة من اليونان وأيديهم على قلوبهم، آملين أن تجري الرياح بما تشتهي السفن، فالأخبار السيئة ستكون وبالا على إيطاليا إحدى دول العالم التي تعاني من أكبر ديون عامة، بلغت في مارس/آذار الماضي رقماً قياسياً بتخطيها عتبة تخطى 1946 مليار يورو، أي ما يعادل 120% من الناتج المحلي الإجمالي، مما جعلها في خضم أزمة الديون في منطقة اليورو.

بريطانيا:
أكدت صحف بريطانية أن مسؤولين من البنك المركزي ووزارة الخزانة وهيئة رقابة الخدمات المالية يعدون خططا لمواجهة احتمال خروج اليونان من منطقة اليورو.

وضمن السياق، خفض بنك انجلترا (البنك المركزي البريطاني) من توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني العام الجاري إلى 0.8%، بعد أن كانت 1.2%.

ولمواجهة الأسوأ، قال رئيس بنك السير ميرفن كنغ خلال عرضه لتقرير التضخم الربع سنوي الصادر من بنك انجلترا إن منطقة اليورو "تمزق نفسها"، وبريطانيا لن تكون بمنأى عن ذلك".

المصدر : الجزيرة