حمدين صباحي في طابور للاقتراع (الجزيرة نت)

أنس زكي-القاهرة

يوم استثنائي مر في حياة المصريين الأربعاء عندما تدفقوا بمختلف أعمارهم وأطيافهم وتوجهاتهم على صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس المخلوع حسني مبارك من قمة سلطة تربع عليها ثلاثين عاما.

وكنتيجة طبيعية للإقبال الكثيف، اصطف المصريون في صفوف طويلة منذ الصباح، لكنهم لم يتبرموا هذه المرة من طول الوقوف الذي يضطرون إليه لقضاء كثير من حوائجهم، بل وأكثر من ذلك أن الواقفين في الطابور تفاجؤوا بأن بينهم من قد يصبح الرئيس المقبل لمصر الثورة.

وضع جديد
الوضع كان جديدا على من رأوه بأعينهم، ناهيك عمن سمعوا به أو قرؤوا عنه، فلم يسبق للمصريين أن شاهدوا بينهم من يمكن أن يكون رئيس المستقبل، حيث كانت حظوظهم في ذلك تقتصر على مشاهدة قنوات التلفزيون الحكومي وهي تبث على مدار الساعة لقطات للرئيس المخلوع يدلي بصوته وسط العشرات من حراسه وتابعيه ودون تواجد أي ناخبين سواه.

عمرو موسى وجد من مجاوريه في الطابور من يتهمه بأنه من فلول النظام السابق
(الجزيرة نت)

وحفظ المصريون عن ظهر قلب اسم لجنة مدرسة مصر الجديدة الثانوية للبنات، فهي اللجنة التي كان يتم تجهيزها على مدى أيام ليشارك في التصويت بها ناخب واحد هو مبارك الذي كان يدلي بصوته مبتسما بعدما ضمن مسبقا تحقيق الفوز، سواء لنفسه في الانتخابات الرئاسية أو لأعضاء حزبه في الانتخابات البرلمانية.

لكن الحال تغيّر والثورة أتت بعض أكلها، فاصطف المصريون لاختيار رئيس جديد بإرادة حرة، ولم يعرف الطابور فرقا بين ناخب من عامة الشعب وبسطاء الناس، وناخب آخر قد يحالفه الحظ فيصبح هو نفسه رئيسا لمصر خلال أيام قلائل.

كل المرشحين حتى أصحاب الفرص الكبيرة منهم مثل محمد مرسي وعبد المنعم أبو الفتوح وعمرو موسى وحمدين صباحي وأحمد شفيق وقفوا في الصفوف كغيرهم من المواطنين، واستغرق بعضهم ما يقرب من الساعتين حتى جاء دوره وتمكن من إنجاز مهمته.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فموسى وجد من مجاوريه في الطابور الطويل من يوجه له الانتقاد ويتهمه بأنه من فلول النظام السابق، بينما كان موقف شفيق -رئيس آخر حكومات مبارك- أكثر سوءا حيث هتف العشرات ضده قبل أن يتطور الأمر إلى قذفه بالحجارة والأحذية.

الشوبكي:
التغيير الذي تمر به مصر يبدو أكثر عمقا وأوسع مدى.. والأهم أن المصريين يذهبون للتصويت في انتخابات حرة شفافة وتنافسية

ثورة ثقافية
المحلل السياسي والنائب البرلماني عمرو الشوبكي يرى دلالة مهمة لما شاهده المصريون في طوابير انتخابات الرئاسة، بل إنه يعتقد بأن "ما حدث اليوم يمثل نقلة كبيرة تؤكد أن المصريين الذين قاموا بالثورة السياسية، هم أيضا بصدد ثورة ثقافية تغير الأفكار والمفاهيم ومظاهر السلوك".

ويضيف الشوبكي أن "ما جرى يعني أن مصر تتجه نحو نموذج الرئيس المواطن بدلا من الرئيس الفرعون"، مؤكدا أن العديد من الأحداث التي وقعت بعد الثورة ساهمت في هز صورة الرئيس الفرعون التي سيطرت على المصريين ولم يعرفوا لها بديلا على مدى عقود بل وقرون طويلة.

ويختم الشوبكي بأن التغيير الذي تمر به مصر يبدو أكثر عمقا وأوسع مدى، فالأمر لا يقتصر على أن رئيس المقبل يقف في الطابور كغيره من المواطنين، بل إن الأهم أن المصريين يذهبون للتصويت في انتخابات حرة شفافة وتنافسية، لا يعرف أحد من سيفوز بها إلا عندما تبوح صناديق الاقتراع بما حوته من أسرار.

المصدر : الجزيرة