وزير خارجية تركيا داود أوغلو (الثاني من اليسار) وكبير مفاوضي الملف النووي الإيراني سعيد جليلي (الثاني من اليمين) غداة انعقاد اجتماع 5+1 بإسطنبول في أبريل الماضي (الفرنسية) 

عبد العظيم محمد الشيخ-الجزيرة نت

تستضيف العاصمة العراقية في 23 مايو/ أيار الجاري اجتماع مجموعة الدول الكبرى "5+1" مع إيران لبحث الملف النووي الإيراني في وقت صرح فيه السفير الأميركي بإسرائيل دانيال شابيرو الخميس الماضي بأن الولايات المتحدة انتهت من وضع خطة لضربة محتملة للمنشآت النووية الإيرانية.

وأثارت استضافة بغداد للاجتماع ردودا متباينة في الداخل العراقي تعكس في جوهرها عمق الخلافات بين القوى السياسية والمذهبية هناك.

وتركز انقسام وجهات نظر العراقيين تجاه ذلك الحدث حول أسباب اختيار بغداد مكانا لهذه الجولة من المفاوضات. 

ويرى المؤيدون أن استضافة بغداد للمفاوضات تكريس لدورها الجديد في الساحتين الدولية والإقليمية.

فقد أعربت الكتلة العراقية البيضاء على لسان أمينها العام جمال البطيخ، عن اقتناعها بأن الاجتماع سيتيح للعراق لعب "دور كبير في تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة"، مشيرة إلى أن ذلك يقف دليلا على "عودة العراق إلى مكانته الدولية".

وأضاف البطيخ أن "العراق سيعود إلى حاضنته وعلاقاته الدولية من خلال اجتماع 5+1، وتحديدًا مع الدول التي فرضت حصارًا عليه" إبان نظام الرئيس الراحل صدام حسين.

وبدا رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي عمار الحكيم أكثر تفاؤلا بأن اجتماعات بغداد ستتمخض عن نتائج مرضية للطرفين وتكون سببًا في إغلاق هذا الملف وتجاوز تداعياته.

وقال الحكيم إن المجتمع الدولي هو الذي ظلم إيران وغض الطرف عن الظلم الذي لحق بها خلال العقود الثلاثة الماضية، واعتبر أن المسألة النووية هي "مشكلة ثقة" بين إيران والغرب.

وعلى الجانب الآخر أبدت أطراف مشاركة في الحكومة العراقية تحفظاتها على احتضان بغداد للاجتماع. وأوضح محمود عثمان –وهو من الشخصيات الكردية البارزة- أن إيران اقترحت بغداد مكانا لعقد الاجتماعات لأنها لا ترغب في منح هذا الدور لتركيا "بسبب موقفها تجاه الأزمة السورية، فضلا عن خلافات أخرى بين البلدين".

ودعت شخصية كردية أخرى هي النائب عن التحالف الكردستاني شوان محمد طه المسؤولين العراقيين إلى الابتعاد عن الخوض في مشاكل إيران مع المجتمع الدولي، وأن يكونوا "أكثر حرصا على احتواء الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد".

ونسبت صحيفة "السياسة" الكويتية إلى نبيل محمد جميل، النائب في ائتلاف "العراقية" برئاسة إياد علاوي، قوله إن المالكي مستعد لتقديم تنازلات للجانب الإيراني بشأن تعاون عسكري أكبر وترسيم شط العرب وتعزيز الاتحاد السياسي بين العراق وإيران، مقابل أن يحصل على دور بارز في الملف النووي.

يُنظر إلى جولة المفاوضات الجديدة في بغداد على أنها فرصة هامة لتخفيف حدة التوتر بشأن برنامج إيران النووي، الذي طالته تهديدات من جانب إسرائيل والولايات المتحدة بشن عمل عسكري لتدميره

المغزى والدلالة
ويعكس سعي إيران إلى نقل اجتماعها مع مجموعة "5+1" من إسطنبول إلى بغداد مدى التوتر الذي شاب علاقاتها مع تركيا في الآونة الأخيرة، بسبب تحول الأخيرة إلى رقم مهم في الضغوط الدولية المفروضة على النظام السوري، بحسب المحلل السياسي بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية محمد عباس ناجي.

والأهم في نظر ناجي هو أن هذا التحول يشي بأن إيران تربط مصير ملفها النووي بتطورات الإقليم، وربما يشير أيضا إلى اتجاه إيران لدعم حضور العراق إقليميا.

غير أن ما يثير الغرب على ما يبدو في رأي باحث إسرائيلي أن إيران غيرت مكانتها في العراق، فخلال السنوات الثلاث الأخيرة نجحت، لأول مرة في التاريخ، في التغلغل عميقا إلى داخل المؤسسة العراقية، وأقامت علاقات وثيقة في الأساس مع جهات شيعية. وهي مرتبطة مع جميع الأحزاب والمنظمات والقيادات الشيعية، التي نما بعضها في إيران، وبعضها تم بناؤه في إيران ودخل إلى العراق سوية مع الاحتلال الأميركي.

وأضاف نائب رئيس معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب الدكتور إفرايم كام في محاضرة ألقاها ضمن يوم دراسي تحت عنوان "دول الخليج: بين إيران والغرب"، أن الإيرانيين ضالعون في العراق بواسطة ضخ أموال بحجم كبير، واستثمارات مالية وتعاون مع الحكومة العراقية أيضا.

أما الإيرانيون فإنهم يرون في احتضان بغداد لاجتماعات دول 5+1، التي تتألف من ممثلين عن الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين بالإضافة إلى ألمانيا، مع إيران مصلحة للعراق.

وفي ذلك قال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني إن انعقاد المباحثات في بغداد ينم عن استقرار الأوضاع في العراق ويعكس مكانته السياسية والأمنية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وفي ذات السياق أشار رئيس اللجنة نفسها في البرلمان، علاء الدين بوروجردي إلى أن العراق مكان مناسب لانعقاد المباحثات نظرا "لموقعه الإستراتيجي والجيوسياسي، وعلاقته الأخوية مع إيران".

ويُنظر إلى جولة المفاوضات الجديدة في بغداد على أنها فرصة هامة لتخفيف حدة التوتر بشأن برنامج إيران النووي، الذي طالته تهديدات من جانب إسرائيل والولايات المتحدة بشن عمل عسكري لتدميره.

من ناحية أخرى فإن اجتماع بغداد قد يساعد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على التأكيد بأن خطته لإرساء الاستقرار في العراق بدأت تؤتي أكلها، وهو ما يمكن أن يقدم للناخب الأميركي على أنه إنجاز مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ومن مصلحة واشنطن في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية أن تبعث برسائل طمأنة إلى طهران وتتجنب التصعيد معها وذلك بموافقتها على حضور الاجتماع في بغداد، وهو موقف يمكن تفسيره على أنه "تكتيكي" إلى أن تنقضي الانتخابات بخيرها وشرها. عندها ربما يكون لكل حادث حديث.

المصدر : مواقع إلكترونية