قتلى جزائريون سقطوا بنيران فرنسية بمظاهرات 8 مايو/ أيار 1945 (المركز الجزائري لوثائق الصحافة والإعلام)
ينظر إلى مجازر 8 مايو/أيار 1945 في الجزائر على أنها نقطة اللاعودة، التي اقتنعت عندها الحركة الوطنية الجزائرية بأن لا مفر من العمل المسلح، الذي بدأ التحضير له فعليا عام 1947، بإنشاء "المنظمة الخاصة".

ففي 8 مايو/أيار 1945 خرج مئات آلاف الجزائريين للاحتفال بهزيمة دول المحور، وتركزت المظاهرات الأكبر في ما كان يعرف بالشمال القسنطيني (المناطق الواقعة إلى الشمال من محافظة قسنطينة) خاصة في سطيف وقالمة.

خرجت المسيرات أساسا للاحتفال بهزيمة النازية، مع تذكير فرنسا بالمطالب الاستقلالية.

كانت الأحزاب الجزائرية منقسمة على نفسها بين مؤيد للمشاركة في الجهد الحربي ضد النازية وحلفائها (كالحزب الشيوعي الجزائري)، وبين معارض بشدة لذلك كحزب الشعب، الذي كان من أول الداعين -حتى قبل المجازر- لدولة جزائرية مستقلة عن فرنسا. 

وقد كانت المظاهرات في الحقيقة استمرارا لمسيرات دعا إليها حزب الشعب احتجاجا على نفي زعيمه مصالي الحاج.

أرقام القتلى
تحالف الجيش الفرنسي مع قوى الشرطة ومليشيات المستوطنين الأوروبيين في ملاحقة "الأهالي" (كما كان يعرف الجزائريون في القانون الفرنسي)، لإخماد المظاهرات التي شارك فيها مئات آلاف الجزائريين، قتل كثير منهم بالرصاص، أو ألقي بهم في الوهاد والأودية أو من المروحيات. 

وعكس القتلى من المستوطنين الأوروبيين (الذين ضبط عددهم بدقة وهو 102)، لم يعرف بدقة عدد القتلى الجزائريين.

تحدثت الحركة الوطنية الجزائرية (ثم الدولة الجزائرية المستقلة فيما بعد) عن 45 ألف قتيل، وهو رقم يقترب من الرقم الذي ذكره القنصل الأميركي في الجزائر تاريخ وقوع المجازر (40 ألف قتيل). أما المؤرخون الفرنسيون فيتحدثون عن 15 ألفا إلى عشرين ألف قتيل.

نقطة اللاعودة
شكلت المجازر نقطة لاعودة بالنسبة لأحزاب الحركة الوطنية الجزائرية، وشكلت صدمة للتيار الاندماجي الذي كان يسعى فقط لتحصيل حقوق للجزائريين داخل إطار الدولة الفرنسية، وكان من رموزه فرحات عباس (الذي عرف بمقولته الشهيرة قبل أن يصبح من مؤيدي المطالب الاستقلالية) "سألت التاريخ والمقابر عن الأمة الجزائرية، فلم أجدها".

لذا يقول المؤرخ الجزائري البارز محمد حربي إن حرب الجزائر بدأت فعليا في سطيف في 8 مايو/أيار 1945.

وقد بدأ الاهتمام الأكاديمي الفرنسي يزداد في السنوات الأخيرة بهذه الفترة الحاسمة من تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر، وكان بين أبرز المؤلفات الفرنسية التي صدرت كتاب جان لوي بلانش "سطيف.. قصة مذبحة مُعلَنة".

يسلط الكتاب الضوء فيما يسلط على موقف الحزب الشيوعي الفرنسي (الذي انبثق عنه الحزب الشيوعي الجزائري قبل أن يستقل عنه في 1936) من المظاهرات، ووقوفه ضدها باعتبارها "مؤامرة نازية"، وهو موقف كلفه خصومةَ الأحزاب الوطنية الجزائرية. 

بررت سلطات الاحتلال الفرنسي طريقة تعاملها العنيفة بالقمع بقولها إنها كانت تواجه "تمردا" مسلحا.
لكن المؤرخ محمد حربي (الذي كان أحد قياديي جبهة التحرير الوطني قبل أن يتحول إلى المعارضة بعد استقلال الجزائر) ينفي ذلك، ويدلل على ذلك بانحصار المظاهرات في محافظات الشمال القسنطيني.

آثار الجريمة
ويتحدث محمد حربي عن مقابر جماعية حفرت لدفن الضحايا، وعن أفران الجير التي أحرقت فيها الجثث لطمس آثار الجريمة، وهي أفران جعلت الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في 2005 يقارن بينها وبين أفران الغاز النازية.

يقول المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا –وهو من أبرز المختصين الفرنسيين في تاريخ الجزائر- إن "ما أصاب سطيف يشبه كثيرا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية حتى لو أن هذا المفهوم ظهر إلى النور في وقت لاحق".

لم تعترف فرنسا أبدا بمجازر 8 مايو/أيار 1945، والتي يشار إليها فرنسيا على أنها "أحداث الشمال القسنطيني".

وقد كان السفير الفرنسي السابق في الجزائر برنار باجولي أحد سياسيين فرنسيين قلائل اعترفوا بهذه "المجازر الرهيبة" في 2008، ودعا فرنسا لعدم إنكار ماضيها في الجزائر.

يضيف المؤرخ الفرنسي ذو الأصول الجزائري أن مجازر سطيف جاءت في أسوأ لحظة بالنسبة لفرنسا حيث "كانوا يحاولون فبركة إجماع يجعل الناس تنسى فيشي (الحكومة الفرنسية التي تعاونت مع الاحتلال النازي). كانت هناك حاجة لبناء أسطورةِ انتصارٍ حققته فرنسا المتلاحمة مع مقاومتها، وذلك بطمس كل ما من شأنه تلطيخ هذه الأسطورة".
 
لكن، رغم وجودها القوي في العقل الجزائري الجمعي، لم يتم تناول المجازر في الجزائر بشكل كثيف أدبيا أو سينمائيا، باستثناء فيلم "خارجون على القانون"، وهو إنتاج جزائري فرنسي أخرجه رشيد بوشارب وأثار ضجة كبيرة عندما عرض في فرنسا.

المصدر : الجزيرة