هولاند يلقي ورودا في نهر السين العام الماضي في الذكرى 60 لمجازر 17 أكتوبر/تشرين الأول بباريس (الفرنسية-أرشيف)
 
إلياس تملالي
التاريخ نفسه: 8 مايو/أيار 1945، لكن قراءته بين ضفتين مختلفة: في فرنسا هو رمز للانتصار، وفي الجزائر رمز لأسوأ تجليات الاستعمار.

في ذلك اليوم، تظاهر مئات آلاف الجزائريين في عيد النصر، رافعين شعارات يطالب بعضها بالاستقلال. يفتح الجيش الفرنسي النار بكثافة مدعوما بمليشيات المستوطنين، فيسقط القتلى بالآلاف.
لم يحسم العدد قط، لكن مؤرخين جزائريين وفرنسيين قدروه بما بين 15 و45 ألف قتيل، سقط أغلبهم في محافظتي سطيف وقالمة.  

تحيي الجزائر الذكرى سنويا، لكن فرنسا الرسمية تلتزم الصمت المطبق تجاهها، وكان على الجزائر المستقلة الانتظار 43 عاما لتسمع من مسؤول فرنسي أن المجازر "مأساة لا تغتفر".
برنار باجولي في 2008: زمن الإنكار قد ولّى (الفرنسية-أرشيف)

كان ذلك تصريحا في 2005 لسفير فرنسا الأسبق في الجزائر أوبير كولين دو فيرديير، غير أن خلفه برنار باجولي أضاف في 2008 تصريحا آخر قال فيه إن "زمن الإنكار" قد ولّى، متحدثا عن مجازر فظيعة.

مواقف يتيمة
لكنهما كانا تصريحين يتيمين، لم يؤمن عليهما الإليزيه، ولا أي مسؤول فرنسي رفيع آخر.

بدا الموقف الفرنسي متسقا مع نفسه، ففرنسا ظلت حتى 1999 تصف حرب الجزائر بأنها "أحداث"، رغم مئات آلاف القتلى المدنيين ونحو مائة ألف جندي فرنسي بين قتيل وجريح.

ففي 2005 تحديدا أجاز البرلمان الفرنسي قانونا يمجد بعض جوانب الاستعمار -قبل أن تسقط الفقرة الأكثر إثارة للجدل فيه- ثم جاء نيكولا ساركوزي الذي وصف الاستعمار بـ "حلم حضاري"، وظل يكرر أن فرنسا لا يمكنها الاعتذار عن ماضيها، الذي "يجب تركه للباحثين".

لكن هل يغير وصول الاشتراكيين إلى الإليزيه التعامل الفرنسي الرسمي مع مسألة تاريخ الجزائر؟
بعد يومين فقط من انتخاب فرانسوا هولاند رئيسا لفرنسا، دعا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى "قراءة موضوعية" للتاريخ المشترك "بعيدا عن حروب الذاكرة".

غابت عن الخطاب النبرة الحادة التي دأبت على تذكير فرنسا بجرائم الاستعمار. فهل أراد الرئيس الجزائري تسهيل مهمة ساكن الإليزيه الجديد؟

مسؤولية الاشتراكيين
يقول المؤرخ الفرنسي أوليفييه لو كور غرانميزون –وهو أحد أبرز المتخصصين في التاريخ الاستعماري الفرنسي- في حوار إلكتروني مع الجزيرة نت، "بغض النظر عن الاعتبارات الشخصية التي حركت التصريح، فقد حان الوقت.. لتقلع السلطات السياسية الجزائرية والفرنسية عن توظيف التاريخ الاستعماري لأغراض السياسة الداخلية ولأغراض الدبلوماسية".

ارتبط الاشتراكيون بواحدة من أسوأ صفحات تاريخ الاستعمار في الجزائر، وقد أشرفوا على القوانين التمييزية التي استهدفت الأهالي (كما عرف الجزائريون في القانون الاستعماري الفرنسي)، ثم شاركوا -بعد اندلاع الثورة- في تشريع السلطات الخاصة التي ارتكبت باسمها أفظع الانتهاكات.

يقول أوليفييه لو كور غرانميزون "على القادة الاشتراكيين والمؤسسة السياسية التي يشكلونها اليوم الاعتراف بالسياسات التي طبقوها في الفترات المختلفة"، من التاريخ الاستعماري الفرنسي في الجزائر.

أوليفييه لو كور غرانميزون:

على الجزائر وفرنسا الإقلاع عن توظيف التاريخ الاستعماري

ويخص هذا المؤرخ الفترة التي تقلد فيها فرانسوا ميتران (الرئيس الاشتراكي الراحل) حقيبتيْ الداخلية والعدل خلال حرب الجزائر، حيث صدّق على كثير من أحكام الإعدام بحق الثوار الجزائريين.

"قراءة موضوعية"
قبل أسابيع من خطاب بوتفليقة، ومن الجزائر تحديدا، دعا هولاند -الذي كان أبوه يوما نصيرا للجبهة الوطنية– إلى "نظرة صافية ومسؤولة لماضينا الاستعماري".

لم يحدد هولاند ما يقصده بـ"نظرة صافية"، لكنه قدم وهو في المعارضة مؤشرات على تعاط جديد مع تاريخ بلاده الاستعماري، حين شارك العام الماضي في إحياء الذكرى الخمسين لمجزرة 17 أكتوبر/تشرين الأول، التي شهدت مقتل عشرات (بعض المصادر التاريخية تتحدث عن مئات) الجزائريين على يد الأمن الفرنسي في باريس، كثير منهم ألقي بهم مقيدين في نهر السين، وهي مجزرة لا يزال التاريخ الرسمي الفرنسي يتكتم على حجمها.

أحد أكبر التحديات التي تواجه هولاند قانون تمجيد الاستعمار.

يقول أوليفييه لو كور غرانميزون إن على الاشتراكيين وهم في الحكم "إن أرادوا للتغيير أن يكون له معنى" السعي لإسقاط هذا القانون، فـ"ليست مسؤولية الدولة أن تقر أي تأويل للماضي".

المصدر : الجزيرة