الحاج سلاّم هجِّر من مدينة بئر السبع عام 1948 عندما كان يبلغ من العمر 55 عاما (الجزيرة)

 

عوض الرجوب-الخليل

عاش الحاج سلاّم عيد أبو اشخيدم (العزازمة) نكبة عام 1948 بتفاصيلها، وعاصر الهجرة والرحيل وحياة الشتات، ومنذ ذلك الحين لا تبرح صورة بئر السبع وسهولها ومزارعها مخيلته، ليبقى الجرح نازفا.

ويُستدل من بطاقة الهوية التي يحملها الحاج سلاّم أنه من مواليد الأول من يناير/كانون الثاني 1893، أي أنه طرق أبواب المائة والعشرين من العمر، وأنه عايش التهجير والنكبة وقد تجاوز الخمسين عاما، بعد معاصرته العهود العثمانية والبريطانية والأردنية والإسرائيلية.

 

ورفض أغلب البدو المهجرين من جنوب فلسطين آنذاك الاستقرار في المخيمات التي أقامتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بعد النكبة، وفضلوا حياة الصحراء في السفوح الشرقية للضفة الغربية لتوفّر المراعي لأغنامهم.

صلب الشباب
يعني الحديث إلى الحاج سلاّم عن النكبة العودة بالذاكرة إلى مرحلة قاسية عاشها هو وأسرته وآلاف الفلسطينيين، لكنه مع ذلك يتعالى على جراحه ليقول إنه أجبر على الهجرة والخروج من وطنه تحت تهديد السلاح.

ونظرا لكبر سنه لا يتذكر الشيخ الفلسطيني تفاصيل وتواريخ كثير من الأحداث، ولذلك يفضل الحديث بشكل عام حول ما جرى، مؤكدا أن القتل كان السبب وراء الهجرة واستقراره اليوم في منطقة أم الخير، شرق بلدة يطا، جنوب الضفة الغربية.

المستوطنات بالخليل تزحف نحو مساكن البدو العرب بهدف تهجيرهم (الجزيرة)

وأضاف أن اليهود كانوا يختارون الشباب ويصلبونهم على الجدران ويطلقون عليهم النار، ويجبرون كبار السن منهم والنساء على الرحيل، مشيرا إلى سرقة 36 فرسا أصيلة من أصحابها خلال عملية الترحيل.

ويضيف أنه لا يعرف عدد من قتلوا أمامه بهذه الطريقة، لكن مشاهد قتلهم أفزعت الكثيرين، ودفعت 12 مختارا للهجرة ومعهم الآلاف من عائلاتهم، مستقلين الجمال أو سيرا على الأقدام تحت رصاص الطائرات، بينما تمكن عدد قليل من أخذ أغنامهم معهم.

ويوضح أن اللاجئين البدو في حينه استقروا في منطقة السموع، جنوب الضفة الغربية، ثم أخذوا في الانتشار في السفوح الشرقية للضفة ضمن ظروف صعبة، تاركين خلفهم مساحات لا حصر لها من الأراضي والخيرات. وبخلاف التفاؤل الذي يبديه كثير من اللاجئين، لا يرى الحاج سلاّم عودة قريبة إلى الديار "إلا إذا بدّل الله الأحوال".

ملاحقة واضطهاد
وكان يقدر عدد سكان مدينة بئر السبع وحدها عام 1945 بنحو 5570 نسمة وفق مؤسسة النقب للأرض والإنسان، لكن أعدادا كبيرة منهم هاجرت باتجاه غزة والضفة الغربية، بينما قدر عدد سكان النقب في حينه بنحو 110 آلاف نسمة من العرب الفلسطينيين هُجّر نحو 90% منهم بعد النكبة.

من جهته يشير إبراهيم الهذالين إلى أن عائلته كانت من كبرى العائلات المهجّرة، ويصل تعداد أفرادها الآن في الضفة الغربية حوالي 15 ألف نسمة.

 

وأضاف أن جزءا آخر من العائلة هاجر إلى الأردن، مشيرا إلى رفض البدو فكرة المخيمات من البداية لأنهم يعتقدون أنها تقيّد حريتهم ومعيشتهم القائمة على التنقل ورعي الأغنام، "ولذاك فإن أكثر من نصفهم غير مسجلين في وكالة أونروا".

وبعد 64 عاما على النكبة، يؤكد الهذالين استمرار المعاناة والملاحقة للعشائر البدوية من خلال مصادرة الأراضي والمستوطنات والمناطق العسكرية وهدم البيوت ومنع البناء، والتدريبات العسكرية والجدار العازل، "وكلها إجراءات تهدف إلى التضييق على البدو ودفعهم إلى الاستقرار في التجمعات السكانية القائمة ومحاصرتهم".

المصدر : الجزيرة