دمشق شهدت في الشهور الأخيرة سلسلة من التفجيرات نسبتها السلطة للقاعدة (الفرنسية)

عمّق التفجير المزدوج الأخير غير المسبوق من حيث دمويته في دمشق الغموض بشأن من يقف وراء التفجيرات المتلاحقة التي لم يثبت بعد دليل واضح على الجهة أو الجهات المسؤولة عنها, وهو ما يثير تساؤلات عن هوية مقترفيها والغاية منها, وعن تأثيرها على الثورة السلمية المستمرة منذ أكثر من عام.

وتبادل نظام الرئيس بشار الأسد والمعارضة الاتهامات بالمسؤولية ليس فقط عن التفجير الأخير الذي أوقع 55 قتيلا ومئات الجرحى, وإنما عن كل التفجيرات السابقة التي وقعت في دمشق وحلب على وجه الخصوص.

وكان من اللافت أن جلَّ التفجيرات كانت متشابهة خاصة من حيث استخدام سيارات محملة بالمتفجرات في مدينتي دمشق وحلب، اللتين يسعى النظام إلى تحييدهما عن الاحتجاجات بينما تسعى المعارضة إلى ضمهما بالكلية للثورة.

دمشق تتهم القاعدة بالضلوع في جلِّ التفجيرات التي وقعت في مدن رئيسة, وتحدثت عن انتشار المئات من عناصر التنظيم في العاصمة ومحيطها, وعن مقتل 12 مسلحا أجنبيا كانوا يقاتلون داخل الأراضي السورية. لكن المعارضة اتهمت في المقبل السلطات بتدبير تلك الهجمات لوصم الثورة السلمية بالإرهاب

وضع ملتبس
وكانت موجة الهجمات بالسيارات الملغمة قد بدأت نهاية العام الماضي مع اقتراب الذكرى الأولى للثورة بتفجير مزدوج في حي كفر سوسة غربي العاصمة السورية أوقع 44 قتيلا, تلاه تفجير في حي الميدان بدمشق أيضا أوقع 26 قتيلا.

وفي فبراير/شباط الماضي, وقع تفجير مزدوج آخر في حلب أوقع 28 قتيلا, وحدثت في الأثناء هجمات مماثلة لكنها أقل دموية في درعا وإدلب.

والملاحظ أن التفجير الأخير يأتي في ذروة مهمة المراقبين الدوليين الذين يحاولون الإشراف على تطبيق خطة موفد الأمم المتحدة والجامعة العربية, مثلما حدث تفجير أثناء مهمة المراقبين العرب نهاية العام الماضي.

وفي كل الأحوال, اتهمت السلطات السورية تنظيم القاعدة بالوقوف وراء التفجيرات, لكن المعارضة كانت أيضا في كل مرة تتهم النظام بتدبيرها بهدف وصم الثورة السلمية بالإرهاب.

ولم تتبن القاعدة أيا من تلك الهجمات, بيد أن تنظيما لم يكن معروفا يطلق على نفسه جبهة النصرة لأهل الشام تبنى في مارس/آذار الماضي هجوما بسيارات ملغمة على منشآت أمنية في دمشق.

وتحدث السفير السوري لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري أمس عن مقتل 12 "إرهابيا" أجنبيا في سوريا، مدعّما بذلك التصريحات الرسمية عن ضلوع مسلحين أجانب في بعض الأعمال القتالية داخل البلاد.

كما أن مسؤولا سوريا قال لوكالة الأنباء الألمانية إن هناك ما بين 350 و600 عنصر من تنظيم القاعدة في دمشق ومحيطها. وحملت دمشق في الوقت نفسه مسؤولية هجمات دمشق الأخيرة لدول عربية تبدي تعاطفا بصورة أو بأخرى مع الثورة السورية.

بيد أن الحكومة السورية لم تكشف في المقابل عن هويات منفذي التفجيرات الذين وصفتهم بالانتحاريين, وهو ما يُبقي على الشكوك التي أثارتها المعارضة حول الفاعل الحقيقي قائمة.

وفي هذا السياق تحديدا, قال المجلس الوطني السوري المعارض معلقا على التفجير المزدوج الأخير في منطقة القزاز جنوبي دمشق، إن النظام يلجأ إلى أسلوب جديد هو الإرهاب لإعاقة خطة أنان.

وقال رئيس المجلس برهان غليون إن خطة أنان ستموت في حال استمر النظام في اللجوء إلى تكتيك الإرهاب, في حين دعا الجيش السوري الحر الأمم المتحدة إلى التحقيق في التفجيرات التي لا يمكن إلا أن تكون منغّصا بين منغّصات كثيرة للثورة السلمية.

خبير دولي يستبعد تماما أي علاقة بين الثورة السورية وتنظيم القاعدة, في حين يشير آخر إلى وجه التشابه بين ما يحدث في سوريا اليوم وما حدث في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي أثناء ما يعرف بالعشرية السوداء

وجه شبه
وأشار بيتر هارلينغ العضو في مجموعة الأزمات الدولية إلى الغموض الذي يلف التفجيرات في سوريا, معتبرا أن هناك وجه شبه بين ما يحدث في سوريا اليوم وما حدث في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي في ما يتعلق تحديدا بهوية المسؤولين عن هجمات دامية ظلت ملابساتها غامضة.

وقال هارلينغ إنه في الحالة الجزائرية لم يكن يُعرف المسؤول عن بعض الهجمات الغامضة إلا في ما ندر من الحالات.

ويلاحظ محللون أن النظام السوري يستغل حالة عدم اليقين بشأن هوية مدبري التفجيرات كي يقنع أكثر الرأي العام في الداخل والخارج بأن القاعدة وأجهزة مخابرات أجنبية ودولا خليجية تقف وراء تلك الهجمات التي لم تبدأ إلا مع اقتراب الذكرى الأولى لاندلاع الثورة وتصاعد الضغط الدولي لوقف القمع الذي أوقع ما يصل إلى 11 ألف قتيل بين المدنيين السوريين، وفقا لبعض التقديرات.

ويرى مراقبون أن من شأن التفجيرات أن تدفع قوى غربية إلى مزيد من الحذر تجاه الوضع في سوريا، خاصة في ظل إشارات صدرت مؤخرا عن مسؤولين أميركيين إلى تغلغل عناصر من القاعدة في سوريا.

كما أنها تدعم حجج دول حليفة لسوريا في مقدمتها روسيا والصين اللتان تتحدثان في بعض الأحيان عن "أعمال إرهابية" تقترفها المعارضة, وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى وضع مزيد من العراقيل في طريق الثورة.

من جهته, شدد بول سالم مدير مركز كارنيغي للشرق الأوسط على انتفاء أي علاقة بين الثورة السورية وتنظيم القاعدة. وقال إن النظام السوري واجه منذ اليوم الأول المحتجين بالحرب, مضيفا أنه سيواجه على الأرجح عواقب تلك الحرب التي أشعلها.

أما خطار أبو ذياب المحلل السياسي والأستاذ في جامعة جنوب باريس فعلق من جهته على مجمل الوضع في ضوء التفجيرات الأخيرة بالقول إن إعصار الحرب الأهلية يعصف بسوريا تحت بصر المجتمع الدولي الذي لا يتحمل مسؤولياته.

المصدر : الجزيرة