تمبكتو صنفتها اليونسكو على لائحة التراث العالمي (رويترز)

سميت على اسم عجوز من الطوارق القدامى اسمها "بُكتو"، هكذا تقول بعض الروايات التاريخية عن مدينة تمبكتو، الواقعة شمالي مالي، والتي اختزل الدهر اليوم قرونا من حضارتها وإشعاعها بأطلال قديمة يزورها السياح للترفيه عن أنفسهم، وتجتهد قلة قليلة من علماء الآثار في استكشاف كنوزها وحفظها وانتزاعها من بين براثن النسيان والاندثار.

تفاصيل رواية التسمية هذه تقول إن تمبكتو، التي أسست في القرن الـ12 الميلادي، كانت ممرا للتجار والرحل الطوارق، وكانت بها عجوز اسمها "بُكتو" يتركون عندها بعض أغراضهم أمانات إلى أن يعودوا، فاشتهر المكان عندهم بعبارة "تين بُكتو"، و"تين" لفظ أمازيغي يفيد الملكية أو النسبة أو الانتماء، وبإضافته إلى "بُكتو"، يكون معنى "تين بُكتو"، المكان الذي تملكه "بُكتو"، أو البلدة التي تنتمي إليها "بُكتو"، وهكذا تطورت التسمية حتى صارت "تمبكتو".

وإذا كان الطوارق قد سموا تمبكتو بهذا الاسم لارتباطها عندهم بعجوز كانت تحفظ لهم أماناتهم كما تقول الرواية التاريخية، فإن بعض القواميس الإنجليزية أضفت على الكلمة معنى يعكس ما كان يعتقده الأوروبيون والغربيون عموما عن هذه المدينة، فهي تعرّف تمبكتو بأنها "أبعد مكان".

يوم دخلت تمبكتو قواميس الأوروبيين دخلتها وهي ترمز للبعد، وكان كل ما يعرفونه ويسمعونه عنها أنها في مكان لم تدركه الأبصار ولم تطأه الأٌقدام بعد، ومنهم من كان يجزم أنها مجرد مدينة أسطورية.

ملتقى الحضارات

مخطوطات تبمكتو تختزن قرونا من تاريخ غرب أفريقيا، ومن علاقة المنطقة بالعالم العربي والإسلامي، وتكشف أن المدينة أنجبت علماء كتبوا في الفقه والعلوم الشرعية والفلسفة والعلوم والفيزياء والكيمياء والطب وعلم الفلك والأدب واللغة والتاريخ...
تمبكتو ملتقى للحضارات والثقافات بامتياز منذ مئات السنين، تعاقبت على حكمها إمبراطوريات السنغاي والفلاني والإمبراطورية السعدية التي حكمت المغرب، وكذا الإمبراطورية الفرنسية، التي تركت مالي في الستينيات من القرن العشرين.

سكان تمبكتو تبعا لهذا التلاقح الحضاري، أصبحوا خليطا بين العرب والأمازيغ الطوارق وقبائل السنغاي والفلاني، يلتقون كلهم فيها ويتعايشون على أرضها، تماما كما تتعايش فيها رمال الصحراء وإبلها وحرها وقحولتها مع مياه نهر النيجر وعذوبتها والخضرة المحيطة بها والزوارق التي تمخرها كل يوم.

كل ميسر لما خلق له في هذه المدينة التي تشتهر بلقب جوهرة الصحراء، وأرزاق سكانها قسمها بينهم الخالق، فللعرب التجارة، وللطوارق الترحال والرعي وتربية المواشي، وللسنغاي النهر والصيد والأسماك والزوارق ونقل المسافرين عبر النهر.

اشتهرت "تين بكتو" أيضا بكونها ممرا وملتقى للقوافل التجارية التي تأتي من شمالي أفريقيا وتلك التي تأتي من غربيها، ففيها التقى الذهب والتوابل والملح ومختلف المعادن التي تزخر بها بواطن القارة السمراء.

ومما تحكيه الروايات التاريخية أن الإمبراطور مانسا موسى -الذي حكم المنطقة في فترة من القرن الـ14 الميلادي- أخذ معه إلى رحلة الحج عام 1324 للميلاد نحو 180 طنا من الذهب، وكانت نتيجة ذلك أن انخفضت أسعار الذهب في مصر آنذاك.

وبعد عودته جلب معه مهندسا معماريا مصريا اسمه أبو إسحاق الساحلي وأعطاه مائتي كليوغرام من الذهب مقابل بناء مسجد وقصر رئاسي في تمبكتو.

كنوز المخطوطات

مشهد من أزقة مدينة تمبكتو (الفرنسية-أرشيف)
تجارة الكتب والمخطوطات وأدوات العلم نشطت بدورها في المدينة، خصوصا في أوج عهدها الزاهر في القرن الـ16 الميلادي، حيث كانت ملتقى للعلماء والطلبة من عدة أمصار، وتقول بعض الروايات إنها آوت في فترة من الفترات نحو 25 ألف طالب علم يمولون كلهم من خزائن الأوقاف الإسلامية، وهو عدد كبير في ذلك الزمان، كما أنها كانت تحتضن ثلاث جامعات كبيرة ونحو 180 مدرسة قرآنية.

مخطوطات تمبكتو بما تحويه من كنوز تاريخية أثارت اهتمام مكتبة الكونغرس الأميركي وجامعة هارفرد، فنسخت منها الكثير، كما تأسست مراكز للبحث فيها وحفظها، وتعالت أصوات لصونها من التلف والاندثار.

ولا غرو فتلك الكنوز من المخطوطات تختزن قرونا من تاريخ غربي أفريقيا، ومن علاقة هذه المنطقة بالعالم العربي والإسلامي، وتكشف أن تمبكتو أنجبت علماء وآوت آخرين ألفوا وكتبوا في كل شيء، من الفقه والعلوم الشرعية إلى الفلسفة والعلوم والفيزياء والكيمياء إلى الطب وعلم الفلك والأدب واللغة والتاريخ... إلخ.

ففي مكتبات تمبكتو يقبع نحو 700 ألف من المخطوطات المهددة بالاندثار، تقرضها الحشرات وتزحف عليها عوادي الزمن، وفي عام 1970 شكلت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) هيئة للحفاظ على مخطوطات هذه المدينة، التي أدخلتها المنظمة في قائمة التراث الإنساني.

المدينة كان فيها أيضا من المساجد الكبيرة ما لم يكن في غيرها من مدن المنطقة آنذاك، وبعضها شهد توسعات كثيرة ليسع طلابه والمصلين، وبعضها سمي على أسماء علماء، ولا يزال بعضها يشهد إلى اليوم على قرون من الحضارة والتاريخ.

رحالون أوروبيون أسرت تمبكتو ألبابهم، وتقول الروايات إن منهم من ضل الطريق إليها، ومنهم من أسعفه الحظ في الوصول واستكشافها، وإن آخرين منهم قرروا المكوث بين أهلها، واحتضنتهم تماما كما احتضنت أعراقا كثيرة من قبلهم.

المصدر : الجزيرة