صورة بثتها القناة الفرنسية الثانية الشهر الماضي وقالت إنها لمراح المتهم بقتل سبعة فرنسيين (الأوروبية)

 عبد الله بن عالي-باريس

حناشي هابت-الجزائر

رغم تضارب الروايات بشأن الشاب الفرنسي محمد مراح الذي تتهمه الشرطة بقتل سبعة أشخاص -بينهم جنديان فرنسيان مسلمان وثلاثة أطفال يهود الشهر الماضي في تولوز ومونتوبان، قبل أن تُرديه قوة خاصة- فإنها تكاد تتفق على أن حياته القصيرة (23 عاما) ترجمت -بشكل ما- حرمانه من التربية العائلية، وإحساسه العميق بالظلم وغياب الأفق في مجتمعٍ أخفق في إدماج أبنائه ذوي الأصول غير الأوروبية، خاصة المسلمين منهم.

فمراح وليدُ تولوز، لم ينعم كثيرا بدفء أبيه محمد بن علال الذي انفصل عن زوجته زوليخة عزيري (51 عاما) التي تزوج بها -حسب الشرطة الفرنسية- عرفيا لا زواجا مدنيا.

كان الصبيُ بعدُ في الخامسة، يتلمّس مكانه بين ثلاثة إخوة وأخت صغرى. بل إن والدته -التي لاقت صعوبات جمة في تربية أطفالها- تزوجت ثانية، وأودعت ابنها الأصغر مأوى أقام فيه من سن السادسة إلى الرابعة عشرة.

"موهبة حقيقية"
انعكس هذا الوضع على دراسة الطفل الذي كان كثير الغياب وذا سلوك متقلب، مع أن بعض مدرسيه قالوا عنه آنذاك إنه يملك "قدرات فعلية"، و"موهبة حقيقية في الفنون البلاستيكية".

لم يكمل الطالب دراسته، والتحق بمعهد متوسط للتأهيل المهني تعلم فيه تركيب هياكل السيارات وإصلاحها، وهو عمل مارسه في 2006 وبرع فيه بشهادة زملائه.

لكن انعدام الرعاية وقصور التربية دفعا بالفتى -الذي طُرد من المدرسة وهو في الرابعة إعدادي وتربى في خمسة بيوت مختلفة، آخرها كان دارا للأيتام الكاثوليك في تولوز- إلى مسالك الانحراف.

في تلك السنة، أدين مراح 15 مرة لارتكابه جنحا منها السرقة. ونهايةَ 2007، حكم عليه -وكان قد بلغ سن الرشد- بالسجن النافذ 18 شهرا، لاعتدائه على مسن بهدف السرقة.

المحامي كريسيان أتيلين:
التجربة الأولى والطويلة وراء القضبان تركت لدى محمد إحساسا عميقا بأن المجتمع الفرنسي ظالم

ويرى محامي مراح الأستاذ كريسيان أتيلين أن "التجربة الأولى والطويلة وراء القضبان تركت لدى محمد إحساسا عميقا بأن المجتمع الفرنسي ظالم، لأنه كان مقتنعا بأن العقوبة فيها إجحاف كبير، مما قاده الى محاولة الانتحار في 2008" داخل السجن الذي دخله مجددا بعد شهرين فقط من إطلاق سراحه بتهمة السياقة دون رخصة.

لا مكان له
ويقول أتيلين للجزيرة نت إن مراح حينما استعاد حريته لم يتمكن من استعادة عمله، فطلب الانضمام للفيلق الأجنبي في الجيش.

ويعتبر المحامي -الذي دافع عن مراح منذ كان قاصرا- أن فشل مراح في دخول الجيش قد يكون "القطرة التي أفاضت الكأس في علاقته ببلده فرنسا"، وهو يرى أن موكله غدا آنذاك على قناعة تامة بأنه "لن يكون له أبدا مكان في المجتمع".

أما الطبيب النفسي للسجن الدكتور آلان بيران فيرسم -في تقرير له- صورةً لشخص "غير مريض، لكنه ضعيف وهش نفسيا، متوتر جدا ومحبط، يجب ألا يترك دون مراقبة".

بعدها بشهر، سافر محمد إلى سوريا وزار تركيا ومصر والعراق والأردن ولبنان وإسرائيل، قبل أن يصل إلى أفغانستان حيث اعتقلته شرطة قندهار، وسلمته للقوات الأميركية التي رحلته إلى فرنسا.

تقول المصادر الأمنية الفرنسية إن الأميركيين وضعوا مراح -بعد هذه الحادثة- على قائمة المحظور عليهم صعود الطائرات المتوجهة للولايات المتحدة. كما تفيد بأن الإدارة المركزية للمخابرات الداخلية الفرنسية أدرجته في سجلاتها، وأخضعته للمراقبة والتنصت لأشهر.

والصيفَ الماضي، زار مراح باكستان حيث تقول سلطات باريس إنه تدرب على استخدام الأسلحة في شمال وزيرستان على أيدي مقاتلين مقربين من القاعدة وطالبان. وحينما عاد، التقى موظفين من المخابرات الداخلية المحلية التي وضعته -في ديسمبر/كانون الأول 2011- في "سجل الأشخاص المبحوث عنهم".

شاب عادي
ويؤكد أتيلين -الذي التقى مراح قبل أسبوعين من أحداث تولوز- أن المشتبه فيه "لم يكن يبدو عليه ما يدل على أنه يخطط لعمل إرهابي، أو يؤشر لاعتناقه مذهبا أصوليا".

ويضيف "كان أكثر نضجا من ذي قبل، وكان لبقا ومؤدبا وظريفا كما عرفته دائما، ولم يكن في مظهره أو سلوكه ما يشي بأنه أقدم على قطيعة مع نمط حياتنا الفرنسي".

يزكي معارفُ مراح شهادة محاميه، ويروون كيف ظل الشاب حتى آخر أيامه مولعا بكرة القدم و"مقبلا على ملذات الحياة"، ولم يعرف عنه "التزام ديني"، أو ميل نحو أي شكل من "التطرف العقائدي".

مراح دفن في إحدى ضواحي تولوز بعيدا عن وسائل الإعلام (الفرنسية)

في بيت بسيط في فرندة بمحافظة تيارت ( 200 كلم جنوب الجزائر) يقطن الوالد محمد بن علال (58 عاما) وهو رجل بسيط وغير متعلم، أخرجه ابنه من هامش الحياة إلى صلب الصراع السياسي في فرنسا. قرب البيت يدير الوالد مصنعا بدائيا لصناعة البلاط.

الابن والعائلة
حياة الأب لا تقل تعقيدا عن حياة الابن، فقد دخل السجن هو الآخر أربعة أعوام بدءا من 2000 في "ساياس" بتولوز بتهمة حيازة المخدرات، ونزل الابن بعدها في السجن نفسه.

يقول جزائريون من فرندة حيث يقيم والد مراح، ومن قرية بزاز بالمدية (100 كلم جنوب الجزائر العاصمة) مسقط رأسه، إن الابن عاش طفولة قاسية، ومراهقة منحرفة، وحياة مكهربة، انفرد خلالها الاب والابن بحياتهما الخاصة.

وعندما هجرته زوجته زوليخة 1993، غادر بن علال فرنسا نهائيا إلى الجزائر.

تصف السيدة زوليخة من جهتها مطلقها بأنه "رجل غير مسؤول، يعيش حياة ماجنة، وغير مهتم بأبنائه، وفي حرب دائمة معها، ولا يكلم أولاده"، وتقول إنه كان "زير نساء".

لكن معلومات سربتها الشرطة الفرنسية تقول إن زوليخة -المنحدرة من غرب الجزائر- كانت هي الأخرى غير مهتمة بأبنائها، وعلى خلاف دائم معهم بسبب "طريقة عيشها".

وجاء في الملفات أيضا أن محمد مراح وشقيقه كانا "منفلتين" ولا يعترفان بسلطة والديهما.

في السنوات الأخيرة من حياته، تعقد وضع محمد مراح بشكل صارخ، فقد تزوجت والدته والدَ صديقه الشاب صبري السيد، وهو فرنسي تونسي الأصل، أوقفته سوريا في 2007 وهو يستعد لدخول العراق، وسلمته للشرطة الفرنسية.

وفي الوقت نفسه، تزوج والده من جزائرية تقطن محافظة تيارت الجزائرية، وكلاهما -الأب والأم- يعيش حياته بطريقته الخاصة.

في هذه الظروف، دخل شقيقه الأكبر عبد القادر -وأقرب أشقائه إليه- السجن بتهمة تجنيد فرنسيين من أصول مغاربية لتسفيرهم إلى العراق. وقد سبب هذا الوضع أزمة نفسية عميقة للشاب محمد، حسب شهادة ابن عم له من محافظة البليدة، كان على اتصال مستمر به.

"قتل عمد"
لكن الأب بن علال يرفض الصورة التي رسمتها الشرطة والإعلام في فرنسا لابنه، ويرى أن كثيرا من الغموض يكتنف القضية.

وتقول محامية الوالد بن علال الأستاذة زهية مختاري إنها حصلت على شريطيْ فيديو، "يكشف أحدهما تعمد القوات الخاصة قتل الشاب مراح بدل إلقاء القبض عليه حيا"، والثاني "إعلانَ القتيل -قبل مقتله بلحظات- أنه بريء من تهمة القتل".

"
والد مراح:
المحامون سيكشفون الغموض الذي يكتنف مقتل ابني

وقالت للجزيرة نت "سأتوجه إلى فرنسا.. لرفع دعوى قضائية ضد القوات الفرنسية الخاصة بتهمة 'القتل العمد' لمحمد مراح...، لدينا.. أدلة لا يدخلها الشك".

وقد انتقل الوالد محمد بن علال الشهر الماضي إلى العاصمة الجزائرية لترتيب أوراق الدعوى، والتقى هيئة دفاعه ثلاث مرات متتالية، وعلى رأسهم الأستاذة مختاري.

وقال بن علال للجزيرة نت هاتفيا "المحامون سيكشفون الغموض الذي يكتنف قضية مقتل ابني".

وحسب معلومات حصلت عليها الجزيرة نت، فقد قرر محامون فرنسيون الدفاعَ عن والد محمد مراح، يتقدمهم المحامي الشهير جاك فرجاس -الزوج السابق للمناضلة الجزائرية الكبيرة جميلة بوحيرد- "بسبب وجود منطقة ضباب تكتنف الطريقة التي عولجت بها قضية مراح وطريقة مقتله، ووجود قرائن على تورط جهاز المخابرات الفرنسي في الأمر" .

رحل محمد مراح دون أن يتصالح مع أمه، فهو لم يكلمها منذ سنوات، ولا يكلم أشقاءه وشقيقاته، وقد وصفه شقيقه عبد الغني بـ"الوحش"، حسب تصريح رسمي للسيد عبد الله زكري مستشار عمدة مسجد باريس، وهو جزائري الجنسية، وقد كلف بالإشراف على دفن محمد الشاب القتيل.

المصدر : الجزيرة