منظر عام من تمبكتو حيث ينخفض مستوى الحركة بالشارع إلى حد بعيد (الجزيرة نت)
أمين محمد-تمبكتو

عرفت في السابق بجوهرة الصحراء وبمدينة الأولياء والصالحين وبمدينة التاريخ والآثار، واليوم توشك مدينة تمبكتو أن تضيف إلى ألقابها وأوصافها العديدة صفة "مدينة الأشباح" بعد أن تحولت أغلب أحيائها ومنازلها إلى أطلال مهجورة، وأشكال بلا أرواح بعد أن ظلت قرونا من الزمن تعج بالحياة والناس، وتستنشق أريج الماضي وعبق التاريخ.

حين طلبنا من آنا- وهو أحد سكان حي سان فيل بجنوبي المدينة- مقارنة حالها اليوم بحالها قبل أسابيع، قال إن تمبكتو اليوم تحولت إلى "مدينة الأقفال الموصدة والبيوت المغلقة".

أحد السكان قال إن لتمبكتو اليوم أن تباهي وتفاخر العالم بكونها أول مدينة تمكنت من حل مشاكل المرور، وقضت بشكل واضح على مشاكل الزحام بالشوارع والأسواق والمحلات العمومية، ولا شيء يضايق سكان المدن الكبيرة اليوم أكثر من مشاكل الزحام.

الزنوج ينزحون من تمبكتو (الجزيرة نت)

لجوء استباقي
من المفارقات أن سكان المدن الكبرى يفرون منها حين تندلع حرب، أو تحل مصيبة أو كارثة طبيعية، ولكن تمبكتو خلافا لأغلب المدن الكبرى بمنطقة أزواد خرج منها الجيش المالي سلما، وسيطرت عليها المجموعات العربية سلما، قبل أن تخرج منها وتسلمها سلما ودون قتال لحركة أنصار الدين والحركة الوطنية لتحرير أزواد.

ومع ذلك فرت الغالبية الساحقة من السكان، فالعرب اتجه أغلبهم نحو الصحراء القريبة من تمبكتو وأعلنوا منها عن تأسيس حركة تحرير أزواد، علما بأن غالبية العرب ترفض انفصال إقليم أزواد عن مالي وتطالب بالعودة إلى حضن الدولة المالية.

أما السكان الطوارق فكانوا الأسرع خروجا من المدينة، واتجه أغلبهم بالأسابيع الأولى للحرب بين مالي والمقاتلين الأزواديين نحو الدول المجاورة وخاصة موريتانيا.

وبشكل متأخر بدأ السكان الزنوج بالنزوح داخليا نحو مدن الجنوب المالي عموما والعاصمة باماكو خصوصا، وتزايدت الأيام الأخيرة عمليات نزوح الزنوج نحو مناطق الكثافة الزنجية بالجنوب المالي.

محمود بوغو قال إنه يفر خوفا من المجهول (الجزيرة نت)

مشهد مكرر
وقد تحول منظر عشرات الزنوج وهم يتجمعون قرب بعض الحافلات أو سيارات الشحن الكبيرة إلى مشهد يومي في تمبكتو خوفا من الحرب وحتى من المجهول، طبقا لقول هؤلاء.

وأثار تدافع العشرات من هؤلاء الزنوج رجالا ونساء لحجز مقاعد بإحدى الحافلات المتجهة إلى باماكو والتي كانت متوقفة قبالة مقر تابع لحركة أنصار الدين، استهجان واستغراب أحد عناصر الحركة، فتساءل لماذا يذهب هؤلاء من أرض الإيمان والحق إلى بلاد الباطل والشرك؟

ويقول محمود بوغو (61 عاما) وهو أحد الزنوج النازحين من تمبكتو للجزيرة نت، إنه يفر منها رفقة المئات من ذويه ومعارفه خوفا من المجهول ومما هو آت بقادم الأيام، مشيرا إلى أن جماعة أنصار الدين التي تسيطر الآن على المدينة لم تتعرض لهم بسوء حتى الآن، ولكن قذف الرعب بقلوبهم بسبب توقعهم لحرب مع من يحكمون تمبكتو بالوقت الحالي. 

وليس الرعب وحده هو ما يدفع الناس للخروج من المدينة، فالشوق للأهل والأحبة الذين نزحوا من قبل يدفع بآخرين كما هو حال سيدتين من الطوارق (فاطمة بنت محمد، وفاطي بنت محمد) قالتا للجزيرة نت، إنهما جاءتا من بلدة كروسي قرب تمبكتو وستغادران إلى مخيم اللاجئين في موريتانيا للالتحاق ببقية الأهل والعائلة هناك.

وتضاعفت أسعار النقل بين موريتانيا وتمبكتو بشكل غير مسبوق بالأسابيع الماضية نتيجة للأوضاع التي تمر بها المنطقة، وخصوصا مع منع الجيش الموريتاني خروج سيارات نقل البضائع نحو الأقاليم الأزوادية بعد أن كانت تساهم في عودتها في الحد من ارتفاع أسعار النقل.

فاطمة وفاطي تتهيآن للجوء لموريتانيا (الجزيرة نت)

مسيرة
وليس النزوح الخيار الوحيد في يد المتبقين بالمدينة وأغلبهم من الزنوج، فقد لجأ العشرات منهم أمس لتسيير مظاهرة بوسط تمبكتو طلبا للسلام والأمان والعيش الكريم، وقال أحد قادة أنصار الدين إن المسيرة هتفت أيضا للمطالبة ببقائهم بالمدينة.

ويقلل نشطاء بحركة أنصار الدين من شأن موجات النزوح التي استمرت بقوة بالأسابيع الأخيرة من تمبكتو، ويقولون إن هناك بالمقابل من بدؤوا يرجعون ليستأنفوا حياتهم فيها بشكل طبيعي.

ويقول المتحدث الإعلامي باسم الحركة سندا ولد بوعمامة إن السكان الأصليين باستثناء العرب والطوارق لم يغادروا المدينة، وإن الزنوج الذين يغادرونها بشكل مستمر هم من الوافدين من مناطق الجنوب المالي، معترفا بأن أنصار الدين لم تتمكن حتى الآن من كسر الحاجز النفسي مع بعض هؤلاء الوافدين.

المصدر : الجزيرة