التحدي أمام جامع الزيتونة يكمن في إنشاء كليات عصرية عليا لنشر العلوم في البيئة العربية (الجزيرة نت)

مراد بن محمد-تونس

كشفت الهيئة العلمية بجامع الزيتونة عن أسباب تصادم الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة مع الزيتونيين والتي انتهت بغلق الجامع وتعليق الدروس في مدارسه، كما بينت خلال ندوة صحفية البرامج المستقبلية لإعادة التعليم الزيتوني الأصلي ومناهجه العلمية.

وخلال الندوة التي حضرها عدد كبير من الشيوخ والوزراء تم التأكيد على أن المناهج الدراسية في جامع الزيتونة، التي تنطلق منتصف الشهر المقبل، ستواكب العصر ولن "تحيد عن المذهب السني المالكي والعقيدة الأشعرية"، كما تمت الإشارة إلى أنه ستتم الاستعانة بعلماء من القيروان وجامع الأزهر، وستفتح الباب للعلماء من الدول العربية والإسلامية لإلقاء المحاضرات فيه.

وكشف آخر رئيس للهيئة العلمية الشيخ حسين العبيدي النقاب عن العديد من المسائل التي ظلت طي الكتمان لسنوات طويلة، منها أن بورقيبة كان يكن عداء للزيتونيين ولدور الجامع ووصل به الأمر إلى معاقبة عدد من رموزه من ذلك الشيخ الطاهر بن عاشور.

العبيدي: الاستعمار الفرنسي استغل إعجاب السذج بنهضته الحضارية ودفعهم إلى غلق الجامع (الجزيرة نت)

بداية التصادم
واستعرض في سياق حديثه عددا من المقولات للرئيس الراحل بورقيبة التي استهزأ فيها بالنصوص القرآنية "بقوله من يصدق أن عصى موسى يمكن أن تصبح أفعى"، معتبرا أن ذلك كان بداية الصدام مع الزيتونيين.

وأضاف العبيدي أن حدة الصراع اشتدت عندما استهزأ بورقيبة بالصيام، حيث قال "افطروا كي تقووا على عدوكم"، وهو خطاب جعل الشيخ الطاهر بن عاشور يرد عليه في خطاب إذاعي "من جحد ركنا من الأركان كان كافرا ويقتل كفرا لا حدّا ولا يدفن في مقابر المسلمين"، وهو أمر رد عليه بورقيبة بعزل بن عاشور وفرض الإقامة الجبرية عليه، وأعقب ذلك بحملة إعلامية ضد الجامع، حسب قوله.

وذكر العبيدي أن "الاستعمار الفرنسي حين فشل في إيقاف التعليم الزيتوني، استغل إعجاب السذج من عملائه بنهضته الحضارية ودفعهم إلى تنفيذ ذلك نيابة عنه".

تشريد
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بحسب العبيدي، الذي صرح بأن بورقيبة واصل سياسة "تشتيت الزيتونيين وتشريدهم من ذلك قطع المرتبات عنهم من خلال حل الأوقاف، ومطاردتهم من قبل مليشيات، مما جعل بعضهم يفر هاربا كالشيخ محمد النيفر الذي فر إلى الجزائر والشيخ عمر العداسي إلى ليبيا".
جانب من الحضور وهم من الطلبة الزيتونيين سابقا (الجزيرة نت)

كما تعرض البعض الآخر للسجن وتعرض آخرون للاغتيال بينهم الشيخ أحمد الرحموني وعبد العزيز العكرمي.

وهذه الوضعية جعلت علماء الجامع ومشايخه يتشردون في كل مكان، ويشتغلون في مهن بسيطة كالبناء والسباكة وغيرها، مستدلا على ذلك باضطرار الشيخ علي العرياني صاحب القراءات السبع إلى "الاشتغال في تصليح المواسير".

ويذكر أن سياسة تهميش الجامع تواصلت مع الرئيس زين العابدين بن علي، الذي أغلق الجامع بعد أكثر من سنة على فتحه عام 1988، فبن علي عمد إلى تغيير أقفال الجامع في الساعة الثانية ليلا بعد أن وصل عدد المرسمين إلى 2500 طالب بينهم أجانب، واستولى على المقرات وعلى معدات المدرسة والمبيت المخصص للطلبة بأسلوب "البلطجة وليس بالقانون".

إعاقة التحديث
من جهته قال رئيس هيئة التدريس عمر اليحياوي إن غلق الجامع كان بحجة أنه يعوق التحديث، في حين أن عددا من رموز تونس هم من خريجي الجامع فـ"أول حزب أسسه عبد العزيز الثعالبي، وأول نقابة أسسها محمد علي الحامي، وأول من ترأس اجتماع الاتحاد العام التونسي للشغل كان الفاضل بن عاشور، وثلاثتهم من خريجي الزيتونة".

وقال العبيدي إنه يملك آخر منهج قرره الشيخ الطاهر بن عاشور عام 1954 ويضم برامج لدراسة الفلسفة والفيزياء والطب واللغات، كما أن الزيتونة شيدت مدارس لتدريس العلوم العصرية ومنها جامعة ابن شرف التي استولت عليها السلطة فيما بعد.

وعن البرامج الجديدة وهيئة التدريس، قال العبيدي للجزيرة نت إن "الهيئة راسلت جامع الأزهر الذي وافق على مساعدتنا بالمدرسين ومناهج الدراسة التي ستكون عصرية وتشمل جميع العلوم من الفيزياء والطب والكيمياء وغيرها".

وأشار إلى "ضرورة حماية علمائنا الذين يأتون من الخارج من الهجمات الإعلامية التجمعية التي تريد أن نعود للاستبداد"، وأوضح أن كلامه سيلاقي ردودا غاضبة في الفايسبوك ولكن هذه الحقيقة "أقولها وليكن ما يكون".

عبد الله لوصيف: التحدي يكمن في التأسيس وعلينا التركيز على العلم ثم العلم (الجزيرة نت)

التحدي
وقال آخر عميد منتخب للجامعة الزيتونية عبد الله لوصيف للجزيرة نت إن "الزيتونة ستتجاوز محنتها وتعود إن أحكمت مناهجها"، مشيرا إلى أن التحدي الأكبر يكمن في التأسيس وعلينا التركيز على العلم ثم العلم، وإلى ضرورة الاستفادة من تجارب علمية وعالمية في المجال.

وقال الواعظ بوزارة الشؤون الدينية الحبيب بن طاهر للجزيرة نت "لا نستطيع أن نتحدث الآن عن برنامج متكامل وواضح المعالم، علينا إعادة التدريس ثم التعامل مع الواقع من خلال إنشاء مشروع إصلاح وفق التوجهات المستقبلية"، وأضاف أن تحديث التعليم رهين بالإمكانيات المادية والطاقم العلمي واستعداداته.

من جانبه أكد وزير التربية عبد اللطيف عبيد للجزيرة نت أن "القانون لا يمنع إنشاء شبكة مدارس زيتونية تطبق المنهج العام وتضيف إليه بعض المقررات كما هو حال المدارس الخاصة"، وشدد على أن التحدي بالنسبة للزيتونة يكمن في "إنشاء كليات عصرية في التعليم العالي تنشر العلوم في البيئة العربية بلغتنا التي لا بديل عنها إذا كنا نريد أن نحقق نهضة عربية".

المصدر : الجزيرة