الشيخ علي جمعة في باحة الحرم القدسي (الفرنسية)

زار مفتي مصر الشيخ علي جمعة المسجد الأقصى المبارك يوم 18 أبريل / نيسان الماضي برفقة الأمير غازي بن محمد الممثل الشخصي لملك الأردن عبد الله بن الحسين ومستشاره للشؤون الدينية.

ولفتت الزيارة والضجة المرافقة لها الأنظار إلى الولاية الأردنية على الأماكن الإسلامية المقدسة بالقدس, نظرا لأن الزائريْن حضرا إلى المدينة الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 بناء على ترتيب مسبق مع سلطات تل أبيب.

لم تكن للولاية على الأوقاف الإسلامية والحرم القدسي محل جدل, عندما كانت المدينة خاضعة لإدارة إسلامية خلال الحكم العثماني لفلسطين, والذي استمر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. فقد كانت الكلمة الأخيرة في شؤون المقدسات من اختصاص الخليفة العثماني.

غير أن الأمور ما لبثت أن تغيرت بعد دخول الجيوش البريطانية بقيادة الجنرال إدموند اللنبي عام 1917 إلى المدينة إثر انسحاب الجيوش العثمانية منها. فقد أصبحت القدس خاضعة لإدارة عسكرية أجنبية, ما لبثت أن تحولت إلى مدنية بعد قرار فرض الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1920, وإيكال أمر إدارة شؤونها للسير هربرت صموئيل.

ويشير المؤرخون الفلسطينيون لتلك الحقبة إلى أن صموئيل أعطى موافقته على أن يتولى الحاج أمين الحسيني منصب مفتي القدس عام 1921 بعد وفاة أخيه غير الشقيق كامل الحسيني، وذلك بعد أن كانت عائلته قد رشحته لخلافة أخيه.

بموازاة ذلك تفيد المصادر الرسمية الأردنية إلى أن الهاشميين بدؤوا منذ عام 1923 بالمساهمة في ترميم الأماكن المقدسة بالقدس على يد الشريف حسين بن علي, بناء على ما يوصف بأنه "عقد شرعي وأخلاقي" مستمد من دور الهاشميين السابق في إدارة شؤون المقدسات بمكة المكرمة.

وخلال الحقبة الفاصلة بين بداية الانتداب البريطاني على فلسطين ونهايته عام 1948 لم تكن قضية الإشراف على الأوقاف والأماكن الإسلامية المقدسة بالقدس محل تنازع بين الأردن والفلسطينيين. إلا أن الوضع بدأ في التغير مع صدور قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 فقد منح القرار القدس وضعا خاصا يميزها عن المناطق التي خصصت للعرب وتلك التي خصصت لليهود.

عبد الله الأول
ومع انتهاء الحرب العربية الإسرائيلية الأولى بتوقيع اتفاقات هدنة بين الأردن وإسرائيل في فبراير/ شباط 1949 أصبحت المدينة ومقدساتها وأوقافها خاضعة لحكم أردني مباشر بحكم الأمر الواقع، ورفض الملك عبد الله الأول الاعتراف بحكومة عموم فلسطين. وبدلا من ذلك نظم الفلسطينيون الموالون له مؤتمر أريحا الذي شرع في إلحاق الضفة الغربية بإمارة شرق الأردن. ومهد لاحقا لقيام المملكة الأردنية الهاشمية على ضفتي نهر الأردن.

واستمرت تبعية الضفة الغربية والقدس للأردن إداريا وقانونيا رغم احتلالها من قبل إسرائيل بحرب 67. ولم يؤد نشوء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 والإقرار بأحقيتها بتمثيل الشعب الفلسطيني بالقمة العربية عام 1974 إلى تغيير هذا الوضع. وظل كل الموظفين المدنيين العاملين بالأوقاف والتربية والصحة بالقدس والضفة الغربية تابعين للإدارة الأردنية، وينظر لهم كمواطنين أردنيين نظرا لحملهم جواز السفر الأردني.

لكن الأمر تغير بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. فقد أعلن ملك الأردن حسين بن طلال عام 1988 فك الارتباط مع الضفة الغربية، لكنه أبقاها على الأماكن المقدسة بالقدس.

رعاية أردنية
وعند توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية بوادي عربة عام 1994 أصر الأردن على تضمينها فقرة تنص على توليه رعاية الأماكن المقدسة بالمدينة، مما أثار تحفظا فلسطينيا، رد الأردن عليه باستعداده لنقل الوصاية الأردنية إلى السلطة الفلسطينية، عندما يتوصل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي إلى اتفاق نهائي.

وفي فترة لاحقة عين الأردن مفتيا للقدس كما عينت السلطة مفتيا آخر. إلا أن الحكومة الأردنية بدأت تفك ارتباطها تدريجيا بالأوقاف الإسلامية بالمدينة، لكنها تواصل الاحتفاظ بما تسميه ولاية هاشمية على الأماكن الإسلامية المقدسة وبـ640 موظفا بأوقاف القدس ما زالوا في عداد موظفي وزارة الأوقاف الأردنية.

المصدر : الجزيرة