عجوز يجلس على شرفة منزله الذي هدم القصف جزءا منه في إحدى مدن سوريا (صور بثها ناشطون على الإنترنت)

الجزيرة نت-خاص

رجال ونساء سوريون في خريف العمر تروي تجاعيد وجوههم حكايات الخمسين سنة الأخيرة من حكم نظام حزب البعث لبلدهم، وجاء الوقت ليشهدوا مجريات الثورة السورية بعد أن أثقلت كواهلهم الأعباء المضاعفة والانتهاكات المستمرة.

العجوز الثمانيني أبو صبحي الدرة أحد هؤلاء، وفي وقت مبكر من الثورة كان قد حسم أمره بمؤازرتها إذ ظهر في شريط فيديو قبل عام بزيه "الدوماني" التقليدي وظهره المحني، متكئا على عصاه وهو يمشي في قلب مظاهرة بدوما، منشدا على الملأ أبيات شعر لشفيق جبري يحيي فيها شباب الثورة ويحثهم على الاستمرار.

أبو صبحي الدرة لحظة استشهاده على الرصيف وهو يبيع البقدونس (صور لناشطين على الإنترنت)

درة دوما
ولم يكن يعرف ذلك الشيخ الطاعن في السن أنه سيكون أحد الشهداء الذين هتف لهم يومها، وأنه سيظهر مجددا في مقطع فيديو آخر مفارقا الحياة برصاص الأمن وقد سالت دماؤه على كوفيته.

وكان أبو صبحي لحظة استشهاده جالسا على رصيف شارع بدوما وأمامه بضع حزم من البقدونس التي يبيعها ليكسب قوت يومه، فأصيب بالرصاص وفارق الحياة كما يظهر في الفيديو الذي نشره ناشطون على شبكة الإنترنت.

أحد شباب دوما الذين كانوا يعرفون أبا صبحي قال للجزيرة نت إن استشهاده بهذه الطريقة أضفى حالة من الخشوع وسط أهالي دوما، وأصبح أيقونة أخرى للثورة السورية وحفرت أبيات الشعر التي كان ينشدها في وجدان المتظاهرين الذين أخذوا يرفعونها في لافتاتهم.

اعتقال ومعاناة
أما العجوز إسماعيل عثمان الصالحة (70 عاما) من معرة النعمان في إدلب فهو معتقل لدى النظام السوري منذ 14 مارس/آذار الماضي إلى الآن، علما أنه لم يكن له أي نشاط يتعلق بالثورة أو السياسة بحسب أحد أبنائه، وهو أب لعشرة من الأبناء وجد لأربعين حفيدا.

وذكر نجله للجزيرة نت أنه لم تصلهم أي أخبار عنه منذ اعتقاله عند إحدى نقاط التفتيش، معربا عن قلقه على صحته حيث يعاني من السكر وضغط الدم. ورجح أن يكون سبب اعتقاله هو ابتزاز لابنه غسان الذي كان ناشطا سلميا في مدينته، والذي غادر سوريا بعد خروجه من الاعتقال.

شباب الثورة لديهم قصص لا تنتهي مع كبار السن الذين كانوا سندا لهم في ظروف حرجة، ومنهم الناشط خالد أبو صلاح الذي قال للجزيرة نت إن الأفكار تزاحمه عندما يستحضر ذكرى رشيدة الياسين (التي جاوزت 70 عاما) التي وصفها بالأم للثوار "فعندما كان الناس يخافون من إيواء من يحرضون على التظاهر، كان بيت زوجها الحاج محمود البويضاني الموئل الوحيد لهم في بابا عمرو". وكانت تتعهدهم بالرعاية وتحرص على إطعامهم والسؤال عنهم عندما يغيبون.

الحاج إسماعيل عثمان صالحة معتقل لدى الأمن السوري  (صور لناشطين على الإنترنت)

تجسيد للصمود
وبيّن أبو صلاح أن تلك المرأة أظهرت صمودا وتجلدا أمام الظروف العصيبة التي مرت بها خلال شهورها الأخيرة، إذ استشهد حفيدها خالد واعتقل ابنها الوكيل ثم توفي زوجها على إثر ذلك بفترة قصيرة.

كما نجا لها ابن آخر من الموت وتم نقله إلى خارج سوريا وهو مصاب برصاصة في رأسه، ورغم كل ذلك بقيت مؤمنة بالنصر وتقدم كل ما تستطيعه لأبي صلاح ورفاقه إلى أن أصيبت بوعكة صحية أثناء اجتياح عسكري للحي حيث رفض الجنود إسعافها وبقيت تعاني إلى أن فاضت روحها، وقال "لقد بكينا عليها كما لم نبك على شهيد قبلها، شعرنا أننا فقدنا جزءا كبيرا من هذا الحي الشامخ".

وقال أحد الناشطين في المجال الإغاثي والذي يحتك يوميا بالكثير من كبار السن النازحين عن بيوتهم "إن أكثر ما يضغط على هؤلاء هو فقدانهم لبيوتهم التي عاشوا فيها عمرا كاملا ثم وجدوا أنفسهم مشردين ومعوزين وضمن ظروف قاسية، علاوة عن كونهم آباء وأمهات لشباب الثورة والمعتقلين والشهداء ويتكبدون مشاعر الألم على أولادهم ومن جانب آخر يكلفهم ذلك مضايقات كثيرة من قبل النظام".

وذكر قصة (أبو حازم) الذي كان في السبعين من عمره وما إن وصل نازحا إلى دمشق مع أسرته، حتى قرر ابنه الشاب الرجوع إلى حمص وفي يوم مغادرته وصل خبر استشهاده، فذهب أبو حازم ليدفن ابنه فاستشهد هو الآخر، وقال الناشط إن الأم وبقية الأسرة لا يعرفون أي شيء عن ظروف مقتلهما ولا أين تم دفنهما؟

المصدر : الجزيرة