الشاعر الفلسطيني أبو عرب (الرابع من اليمين بالخلف) وبعض أهالي السجرة وكفركنا (الجزيرة نت)
وديع عواودة-السجرة (فلسطين 48)

حقّق الفنان الفلسطيني الشيخ إبراهيم محمد صالح (أبو عرب) حلما راوده منذ 64 عاما بزيارة قريته المهجّرة، السجرة قضاء طبريا داخل أراضي 48، اليوم. فتجول بينها مثقلا بالذكريات ومشاعر أمل وألم كبيرين وهو يشدد على حتمية العودة. 

الجزيرة نت رافقت أبو عرب (82) في زيارته النادرة لمسقط رأسه محاطا بالعشرات من أهالي بلدته المهجّرين في وطنهم، واستمعت لشروحاته المستفيضة ورصدت تأملاته وقصائده الارتجالية وليدة اللقاء مع " توتة الدار".

قال أبو عرب وهو بالطريق من كفركنا المجاورة إلى السجرة "قلبي يخفق أسرع من السيارة ويكاد يفّر من بين ضلوعي" لافتا إلى أنه كان قد زارها بالمنام قبل عشرة أيام. وتابع "أنزلتني سيارة بجانب العين، وقال مرافقي: وصلنا، وإذا العين أمامي، وعندها استيقظت".

حلم وواقع
وفعلا طابق الواقع الحلم وزار السجرة التي طرد منها في مايو/ أيار 1948، وتوقفت مركبته قبالة العين، وبعد دقائق من التأمل والتعرف غسل وجهه وهو يقول إنها لا تطفأ حنينه لها.

 أبو عرب الذي قال "أنا شاعر المخيّمات ومطربها" وأقسم بأن يوظف شعره لتحفيز شعبه على النضال ضد الاحتلال، مضيفا "البعد ما يطفي ناري والقرب يزيدها، وبعد جرح الوطن ما في جروح".

ورغم شيخوخته واعتلال صحته تجول أبو عرب معتمرا كوفيته -هويته- مشيا على الأقدام في  ديرته التي عاهدها بكثير من قصائده المغناة بعدم النسيان مهما طال الزمان، وهو يناجيها شعرا ومواويل وكأنه لقاء حبيب بمحبوبته بعد غياب.

رغم شيخوخته تجول أبو عرب معتمرا كوفيته (هويته) مشيا على الأقدام في ديرته (الجزيرة نت)

معالم وذكريات
أشار تباعا لمواقع المسجد، والمدرسة، والكنيسة والعين والمعاصر الثلاث، قبل أن يتجه نحو موقع بيته وهو أيضا قد سوي بالأرض، وأحاطت به الأشواك ضمن مساعي طمس تاريخ القرية التي شهدت ثلاث معارك ضارية قبل سقوطها، واستشهد عشرات من أبنائها ومن جيرانها، يحفظ أبو عرب أسماءهم وسيرهم.

بين حديث ذكريات تخيف الغزاة وبين تأمّل حاضر أسير،  قال أبو عرب وهو يتجول في وطنه إن والده أصيب برصاصة  "دمدم" في السجرة ونقل لمستشفى الناصرة، وما لبث أن تدهورت صحته ورحل ودفن في كفركنا، فرحلت العائلة للبنان.

توتة الدار
وقادنا أبو عرب مرشدا وتوقف عند شجرة التوت التي غنى لها في قصيدته الشعبية "توتة الدار صبرك على الزمان إن جار لابد نعود مهما طوّل المشوار".

بعدما فاضت مشاعر أبو عرب حزنا وتعبا، فاستظل بأفياء شجرة توت وارفة كان يتحسّسها بأنامله برفق ويستنشقها كأنه أم "تشمشم" وسادة ابنها الغائب. وفجأة توقف عن الكلام ليصغي لزقزقة عصافير الدوري وبلابل كانت تغرّد بانفعال على الأغصان وتشدو استقبالا لعودة صاحب الدار.

عدت للسجرة في نيسان بعد 64 عاما فهل سمعت ما قالت التوتة للطير العائد؟ سألنا الشاعر الذي ورث الشعر عن جده الشاعر المقفى الشيخ علي الأحمد ومن عمه محمود شاعر حداء، فأجاب بالغناء مرتجلا:
" أوف.... أوف ما بنسى العين والتينة مع الدار زماني برم من يمي ومع الدار
لونهم قارنوا ترابي مع الدّر لعوف الدر وبوس التراب ..أوف.."

 بعدما أخذ نفسا عميقا، حّث أبو عرب خطاه غير آبه بالأعشاب والأشواك مشيرا ببنانه لكل مواقع البلدة بتسمياتها.

ناجي العلي
اللقاء مع بلدته المدللّة، السجرة، فجّر البراكين في داخله و"عذّب روحي" قال الشاعر المتجول بين أشجار التين والتوت والزيتون، وانطلق بموال جديد مطلعه:
"فتحنا لك برغم الغربة نادي وعشبك من دموع الغربة نادي كأنها توتي علي تنادي حبابي ليش طولتو الغياب.."

وما لبث أن توقف وبيده غصن من شجرة تين ونبات الشومر قبالة خرائب بيت صديقه وزميله الراحل ناجي العلي.

سألنا الشاعر الذي أسّس للأغنية الفلسطينية التراثية الملتزمة، فأنشد بصوت حزين شجي مرتجلا:
"أوف.... أوف أيام الدهر يا ناجي لو إنك لو إنك حزين وسمع هالوادي لو إنك
لو إنك قبل ما تغادر كحلت عيونك بشوف التراب".

وردا على سؤال آخر، تابع "حينما كنا نسافر سوية ونبيت في غرفة واحدة كنا نقضي الليل باستحضار ذكريات الصبا، ونستعيد سيمفونية الأجراس الرنانة المثبتة في أعناق الماعز وهي عائدة عند المساء من رعاية، فيما (كان) الرعاة بدورهم يملؤون الفضاء بألحان الناي (الشبّابة).

الفنانة سلام أبو آمنة أنشدت مع أبو عرب أغاني وطنية (الجزيرة نت)

يا عيني
أبو عرب، شاعر ومنشد الثورة الفلسطينية الذي ألّف ولحّن وغنى عشرات القصائد الوطنية وأغاني العتابا والمواويل، ودّع بلدته عند مغادرتها وهو يناجي عين الماء فيها كأنه يراه للمرة الأخيرة بلهجة تقطر حنينا وحزنا:

"يا عين الميّ كان الشجر جاري... لكن الزمن بالظلم جاري.. بعد نبعك يا عين المي جاري... بعد ما تغربوا شمول الحباب". ولم يغادر أبو عرب قبل أن يصطحب معه حفنة تراب وبعضا من حجارة السجرة تذكارا هدية لأحفاده في سوريا ودول الخليج.

حق العودة
وردا على سؤال يؤكد الشاعر الفلسطيني أن الحقوق المسلوبة ستعود لأصحابها، موضحا أن معظم شهداء فلسطين ولدوا خارجها. وتابع" السجرة ستبنى من جديد، وأولادي يحبونها أكثر مني وأحفادي أكثر من آبائهم".

وقبيل الذهاب للسجرة، زار أبو عرب كفركنا القرية المجاورة وتلا الفاتحة لروح والده الشهيد محمد الصالح الذي دفن في المقبرة دون معرفة موقعه المحدد، وهي تجربة صعبة تكررت معه حينما لم يتمكن من التعرف على قبر ابنه معن الذي استشهد خلال اجتياح لبنان عام 1982.

من السجرة عاد والد الشهيد وابن الشهيد، أبو عرب، إلى كفركنا، وفي منزل رئيس التجمع الوطني الديمقراطي واصل طه التقى بالعشرات من أقاربه ومحبيه وسوية معهم ومع الفنانة سلام أبو آمنة، أنشدوا  قصائد وطنية من "هدي يا بحر هدي.. طولنا في غيبتنا" إلى "أنا ماشي يا أختي ودعيني"  حتى كادوا يطيرون فرحا.

المصدر : الجزيرة