في الطريق إلى تمبكتو
آخر تحديث: 2012/4/18 الساعة 12:03 (مكة المكرمة) الموافق 1433/5/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/4/18 الساعة 12:03 (مكة المكرمة) الموافق 1433/5/27 هـ

في الطريق إلى تمبكتو

 أحد مظاهر غياب الدولة بشمال مالي بمبنى إدارة مدينة كوندام القريبة من تمبكتو فلا علم فوق السارية والأطفال حولوه إلى ملعب (الجزيرة)

أمين محمد-مدينة تمبكتو

خلافا لما كان عليه الأمر في السابق تبدو الطريق هذه الأيام مفتوحة و"سالكة" إلى حد ما نحو ما كان يعرف سلفا بالشمال المالي، فلا عراقيل قانونية أو فنية في الطريق، ولا نقاط تفتيش وتدقيق في "الوثائق"، و"أسباب وخلفيات" التوجه نحو هذه المنطقة.

تحولت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى كابوس حقيقي لحكومات ونظم الدول المجاورة وحتى غير المجاورة، بسبب ما تصفه هذه الأنظمة والحكومات "بالجماعات الإرهابية".

فمنذ أسابيع قام مقاتلو حركة تحرير أزواد بطرد الجيش المالي من كافة مدن وبلدات الشمال المؤلف من ثلاث ولايات هي غاو وتمبكتو وكيدال، وأعلنوا قيام دولة أزوادية مستقلة على أرض تلك المناطق الشاسعة التي تشكل نحو ثلثي التراب المالي في ظل غياب أي اعتراف دولي أو إقليمي بهذا المولود الجديد.

تتناثر العديد من القرى وحتى المدن الكبيرة نسبيا على طول الطريق الرابطة بين موريتانيا ومدينة تمبكتو، والتي هي جزء من طريق بري وعر اشتهر منذ قرون بكونه معبرا لأفواج الحجيج الأفارقة وممرا لقوافل التجارة بين المشرق والمغرب.

الزنوج يرعون أغنامهم بالضواحي القريبة من مدينة كوندام (الجزيرة)

هروب وبقاء
يبدو تأثير الحرب واضحا وعميقا هناك، فغالبية تلك القرى والبلدات قد هجرها سكانها ونزحوا منها نحو الدول المجاورة وبشكل خاص موريتانيا التي استقبلت عشرات آلاف اللاجئين الأزواديين منذ اندلاع الحرب، وفتحت لهم مخيما ببلدة أمبرة شرقي مدينة باسكنو القريبة من الحدود الموريتانية المالية.

تحولت تلك القرى إلى أطلال مهجورة إلا من قلة قليلة من الأسر فضلت الصمود في وجه العواصف، ومواجهة مخاطر الحرب بدلا من معاناة ويلات الضياع والتشرد.

وحدهم مربو الماشية "المنمون" يعطونك الانطباع وكأن شيئا لم يحدث، وأن الحياة تسري كما كانت أو هكذا يريدون، فهم لا يلقون بالا بالحرب وتداعياتها ولا بالصراعات السياسية ومآلاتها ولا يعرفون الكثير عن أزمات الإقليم المتفاقمة منذ عقود، وهو ما ينعكس إيجابا في الروابط القوية بينهم على اختلاف أعراقهم وخلفياتهم الاجتماعية.

ويبدو ذلك جليا في استمرار أعداد كبيرة من الزنوج الماليين في الرعي بمناطق الإقليم وتربية المواشي بمناطق بات يسيطر عليها المقاتلون الطوارق، رغم أن الغالبية الساحقة من زنوج مالي هربوا نحو العاصمة باماكو والمناطق المحاذية خوفا من تعرضهم لعمليات انتقام من قبل الطوارق.

ويقول أحد الطوارق بالقرب من مدينة كوندام إن هؤلاء المنمين لا ينطبق عليهم ما ينطبق على الكثير من الزنوج الآخرين فهم "أناس طيبون ومسالمون ولا اهتمام لهم بالسياسة وبعيدون عن الاصطفاف مع حكومة مالي في صراعها مع الطوارق، ولذلك فنحن نحترمهم ولا نتعرض لهم بسوء."

أحد الشوارع بمدينة تمبكتو (الجزيرة)

مظاهر أزمة
وفي كوندام نفسها بدت آثار الأزمة واضحة تماما، فأغلب المقار والمؤسسات العمومية مفتوحة الأبواب، منهوبة المحتويات، مبعثرة الأوراق، وبدا مقر الدرك الوطني الذي كان يثير الخوف في نفوس المواطنين سابقا مرتعا للفوضى والخراب، يلعب الأطفال بمحتوياته المنهوبة والمبعثرة.

وقد تم إنزال العلم الوطني المالي من قمة سارية نصبت أمام المبنى الإداري الرئيسي بالمدينة، ولكن الفراغ الكبير الذي خلفه إنزال العلم ليس فقط على مستوى قمة السارية وإنما في نفوس المواطنين الذين كان بعضهم على الأقل يتابع باهتمام وتقدير رفعه كل صباح على تلك السارية، ولم يتم تعويضه حتى الآن في ظل تعدد الأعلام التي ترفرف اليوم في سماء الإقليم الأزوادي المنهك منذ عقود بالأزمات والصراعات السياسية.

وتحدثك اللافتات المهملة بمداخل المدن وتلك التي كانت الشرطة ونقاط التفتيش تضعها لتنبيه سالكي الطريق بالتوقف، عن قصة أخرى من قصص الفوضى وغياب الدولة، فما زالت بعض هذه الإشارات مثبتة موجودة بمكانها وتحمل نفس العبارات "stop" مثلا، رغم أن بعضها الآخر تعرض للنهب أو الإزالة، كما تم طلاء أخرى بألوان زرقاء للتنبيه ربما على أن عهد المحظورات قد ولى ومن المؤكد أن هؤلاء يتمنون أن يكون إلى غير رجعة.

وفيما يبدو أن الأمن شبه مستتب بالمدن الكبرى بعد عمليات النهب الأولى تبرز إشكالية الأمن بالمنطقة الصحراوية وبشكل خاص على الطريق الرابط بين موريتانيا وتمبكتو حيث تنتشر عصابات الجريمة المنظمة بشكل خطير ومؤثر، ويحدثك الناس هنا وهناك عن قصص مخيفة حول تعرض المسافرين لعمليات سطو وضرب ونهب وحتى اعتداء بالسلاح، دون أن ينسوا تحذيرك من السفر لتلك المنطقة دون تأبط سلاح ومرافقة خبير بالمسالك عارف بمداخل الطرق ومطبات الصحراء ومكايد المتربصين بروادها الجدد وخصوصا من ذوي الخبرة "المحدودة جدا" في مواجهة مثل هذه الظروف.

المصدر : الجزيرة