من اعتصام أسبوعي ينظمه سوريون ومؤيدون أردنيون للثورة السورية أمام سفارة دمشق في عمان (الجزيرة)
محمد النجار–عمان

تدفع معلومات من مطبخ القرار الأردني، من جهة ووقائع يرصدها مراقبون على الأرض، للتساؤل عما إذا كان الأردن بدأ فعلا ينحاز لبقاء النظام السوري الحالي.
 
ولا يخفي وزير بارز بالحكومة في أحاديثه السياسية أن عمّان لا تفضل سقوط النظام السوري، وإن كان يغلف موقفه هذا بمبررات رفض المملكة التدخل في الشأن السوري، وتداخل المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية بين عمّان ودمشق.
 
ويلحظ سياسيون تغيرا بلهجة السياسيين الأردنيين التي وصلت حد دعوة الملك عبد الله الثاني إلى الرئيس الأسد للتنحي قبل أشهر، لتنتقل تصريحاته مؤخرا للدعوة "لحل سياسي في سوريا" يضاف لها غياب التصريحات الحكومية ومنها تصريحات وزير الخارجية.

لكن الوقائع على الأرض تبدو أكثر وضوحا، فالأردن كثف مؤخرا من تضييقه على المعارضة والنشطاء السوريين في عمان، واعتقل أكثر من ناشط لا يزال أربعة منهم على الأقل معتقلين بتهم محاولات تهريب سلاح أو معدات طبية لسوريا.

ولم يتردد الأمن الأردني في تسريب خبر قبل أيام باعتقال ثلاثة نشطاء سوريين كانوا يحاولون تهريب جهاز بث تلفزيوني وأكياس لحفظ وحدات الدم عبر الحدود مع سوريا.

ويتحدث معارضون سوريون إسلاميون وعلمانيون عن أن جهاز المخابرات استدعاهم وحذر بعضهم من أي نشاط انطلاقا من الأردن، وهو ما أدى لمغادرة العديد منهم عمان.

وكشفت مصادر سياسية للجزيرة نت عن أن مطبخ القرار الأردني بات يرى أن نظام الأسد تجاوز خطر السقوط، وأنه من المجازفة الانخراط في خطط إسقاطه.

الموقف الأميركي
وتتحدث المصادر –التي اشترطت عدم الإشارة لها- عن أن عمان ترى أن الموقف الأميركي غير متشجع لسقوط نظام الأسد من جهة، إضافة إلى أنها ترى أن أكثر المستفيدين من سقوط الأسد هم جماعة الإخوان المسلمين مما سيقوي الجماعة بالأردن التي تعيش حالة صراع وتوتر مع السلطة الرسمية.

سوريون يرفعون أعلام الثورة باعتصام أمام سفارتهم في عمان الشهر الماضي (الجزيرة)

بل إن سياسيا أردنيا قال إن قانون الانتخاب الذي أعلن قبل أيام ورفضه الإخوان جاء نتيجة للتحول الأردني من سوريا، ولمنع سيطرة الإخوان على البرلمان المقبل.

لكن هذه التحولات دفعت سياسيين بارزين للتساؤل إن كانت عمان باتت تنحاز "غير راغبة" للموقف الإيراني العراقي المتحالف مع النظام السوري في مواجهة المعسكر الخليجي انطلاقا من قراءات النظام التي تنطلق من هواجس وصول حكم الإخوان المسلمين لحدوده مما سيغير معادلة تعامل الإخوان معه هنا في عمان.

وحاز الأردن قبل أيام على رسائل نقد سعودية جاءت في مقال لرئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط طارق الحميد أخذها المسؤولون لاسيما الملك عبد الله الثاني على محمل الجد على أنها تعبر عن عدم رضا سعودي عن الموقف الأردني من سوريا.

وطالبت المقالة التي نشرت قبل أيام الأردن بأن يحسم أمره "ويخرج من المنطقة الرمادية أو الضبابية حيث فشلت كل الحلول والمبادرات وآخرها مبادرة أنان ليس لأن العرب أو الغرب أرادوا إفشالها بل لأن الأسد لا يريد إلا أن يحكم أو يقتل".

وتابع الحميد "على الأردن أن يقرر أي مستقبل يريد للمنطقة وحدوده، هل يريد الأردن سوريا جارة خربة يقعد على سدتها حاكم طاغية أسوأ من كل طغاة المنطقة أم أن الأردن يريد سوريا خالية من الطغاة وذات مستقبل مسالم لمواطنيها وجيرانها والمنطقة كلها؟".

وبرأي الباحث بمركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية الدكتور محمد أبو رمان فإن الموقف الأردني من الثورة السورية يقع بين حسابات مركبة ومتناقضة داخليا وإقليميا وأن عمان تدير سياسته الحالية تجاه الملف "بعقلية المياومة".

الباحث بمركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية د. محمد أبو رمان يرى أن "الموقف الأردني من الثورة السورية يقع بين حسابات مركبة ومتناقضة داخليا وإقليميا وأن عمان تدير سياسته الحالية تجاه الملف بعقلية المياومة

وقال للجزيرة نت "عمان ترى أن فرص التدخل العسكري الغربي تراجعت، وبدأ رهان واشنطن على خطة (المبعوث الأممي والعربي) كوفي أنان، وفي نهاية اليوم بالموقف الروسي الذي وإن دعم خطة أنان إلا أنه في القناة الخلفية يوفر دعما عسكريا ولوجستيا للنظام السوري، ويبدو أنه بعيد عن مبدأ التضحية به كما فعل بمعمر القذافي".

العلاقة مع الإخوان
ويرى أبو رمان أنه ووفقا لهذه الوقائع فإن "الخلاصات لدى مطبخ القرار في عمان بأن نظام الأسد على المدى القريب تجاوز خطر السقوط الفوري وهو ما يدفع إلى تحجيم نشاط المعارضة السورية، وداخليا ينعكس وفق بعض المسؤولين على العلاقة مع الإخوان على اعتبار أن الجماعة كانت تراهن على الثورة السورية وهي ثورة لم تنجح إلى الآن ما سيضعف الجماعة في ميزان القوى الداخلية".

وينتقد المحلل السياسي هذه الحسابات التي يرى أنه "مبنية على فرضيات خاطئة بأن فرص النظام بالبقاء كبيرة وهذا ليس صحيحا لأن الضغوط الدولية وإن كانت تراجعت عن العمل المسلح قليلا فإنها متمسكة بعزل النظام وإسقاطه".

وأضاف "ما ينساه المسؤولون الأردنيون ارتباط الأردن بالأجندة الخارجية السعودية وقد أصبح إسقاط النظام السوري أولويتها ما يعني أنه حتى في حسبة المصالح الأردنية وفقا لمطبخ القرار نفسه فإن حلفاءه وداعميه وأصدقاءه في المجتمع الدولي والإقليمي هم ضد النظام السوري ومع المعارضة".

ويرى أبو رمان أيضا أن شعرة معاوية انقطعت بين الأسد والنظام الأردني، مما يجعل الأردن كالمثل العربي (مصيّف القريتين) لا هو مع الثورة والشعب ولا مع النظام.

وبرأيه فإنه لا يجب على الأردن اتخاذ مواقف حاسمة وحادة مع الثورة ضد النظام "لكن في المقابل لا مبرر للتذاكي والتضييق على المعارضة السورية والعودة إلى نصائح من قلوبهم مع الأسد من السياسيين الأردنيين، فهؤلاء ما يزالون يعيشون في مرحلة ما قبل الربيع العربي".

المصدر : الجزيرة