إحدى حلقات الدروس بجامع الزيتونة (الجزيرة نت)
إيمان مهذب-تونس
 
بعد سنوات من الإغلاق وضمن سياسة "تجفيف المنابع"، عاد جامع الزيتونة بالعاصمة تونس ليفتح أبوابه أمام طلاب العلم، وسط دعوات إلى أن يمارس مهامه بعيدا عن التجاذبات السياسية.
 
فبعد قرار المحكمة الإدارية في تونس إعادة فتح هذه المنارة الدينية والعلمية، استأنف الجامع دروسه كل يوم أحد بصفة رمزية، في وقت أكد القائمون عليه أنهم يدرسون المناهج ومن سيقومون بتدريسها لتكون الدروس متلائمة مع متطلبات العصر وقيمة الجامع العريق.

وقد لاحظت الجزيرة نت وفود عشرات الطلاب على الهيئة العلمية للتسجيل بالجامع، الذي يعد أول جامعة في العالم الإسلامي وثاني جامع في تونس بعد جامع عقبة بن نافع في القيروان.

وعلى الرغم من تأكيد عدد من المختصين على دور الجامع في دعم الاعتدال والوسطية في تونس، ورغبتهم في استعاده قيمته الفكرية والحضارية، فإن المسائل الخاصة بالتدريس والمناهج ما زالت لم تضبط بعدُ وهي قيد الاتفاق بين الهيئة العلمية للجامع ووزارة الشؤون الدينية.

نور الدين الخادمي: فتح الجامع استحقاق من استحقاقات الثورة (الجزيرة)

قاسم مشترك
وأكد وزير الشؤون الدينية نور الدين الخادمي للجزيرة نت أن "إعادة فتح جامع الزيتونة ينبغي أن تتأسس على المعنى الوطني التونسي، لا على الاصطفاف الحزبي أو الاستقطاب الأيديولوجي، على اعتبار أن الجامع يمثل قاسما مشتركا بين كل التونسيين، وهو ركن من أركان الهوية ومشروع حضاري وطموح إنساني لكل الشعب التونسي".

وأضاف الخادمي أن فتح الجامع، الذي أغلق خلال عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، يمثل "استحقاقا من استحقاقات الثورة، لأنه قد تعرض لمظلمة تاريخية خلال العقود الماضية وأغلق ومنع علماؤه من أداء وظيفتهم".

من جهته قال أستاذ التربية الإسلامية الشيخ عمر اليحياوي الذي درس ودرّس في جامع الزيتونة إن "الأنظمة السابقة عملت على طمس هذا المعلم لأنها رأت أنه يمثل تمسك الشعب بعقيدته"، موضحا أن "إيقاف الوظيفة التعليمية للجامع الذي كان منارة علمية كان ضمن سياسة تجفيف المنابع".

ورأى اليحياوي أن "إعادة فتح الجامع لا تحمل أهدافا سياسية بقدر ما تحمل أهدافا تعليمية ترمي إلى إعادة الروح التي أنتجت علماء أمثال الطاهر بن عاشور والشيخ الخذر حسين الذي تولى مشيخة الأزهر والعلامة عبد الرحمن ابن خلدون والطاهر الحداد وغيرهم".

دعم الوسطية
وتأتي إعادة فتح أبواب جامع الزيتونة الذي يعود تاريخه لنحو 1300 سنة لطالبي العلم، في وقت تزداد فيه التجاذبات في تونس بين التيار الإسلامي والعلماني، ووسط تخوف الكثيرين مما يعتبرونه "اتجاها نحو التطرف الديني".

وفي هذا السياق ذكر الوزير الخادمي أن عودة التدريس في الجامع "ستحدث توازنا في الشخصية والمجتمع والتعايش السلمي بين كل مستويات المجتمع التونسي"، مشيرا إلى أنها ستكون "انطلاقا حضاريا لأن الدروس العلمية الشرعية في جامع الزيتونة ظلت عنصرا يحقق الوسطية والاعتدال وتمنع ظواهر التطرف والغلو أو التسيب والانفلات".
عمر اليحياوي: الأنظمة السابقة عملت
على طمس هذا المعلم
 (الجزيرة نت)

كما اعتبر رئيس الهيئة التأسيسية لجمعية "قدماء جامع الزيتونة وأحباؤه" محمد بلحاج عمر أن عودة الجامع ستساهم في عودة الرسالة العظيمة التي كان يقوم بها ومكنته من تحقيق الإشعاع في الداخل والخارج لعقود متتالية، مبينا أن دور الجامع سيمكّن من جمع كل الأطياف ونبذ الفرقة.

نور الزيتونة
وعن هيئة التدريس، اعتبر بلحاج عمر أنه لا ينبغي أن "يعيد للزيتونة نورها إلا أهلها الزيتونيون"، مشيرا إلى أن هيئته العلمية "هي التي يجب أن تسوس" الجامع.

وكان يوم الأحد الماضي قد شهد نقاشا بين عدد من مشايخ جامع الزيتونة بشأن تورط عدد منهم في خدمة النظام السابق، وقد دعا آخر رئيس الهيئة العلمية للجامع حسين العبيدي إلى "المصالحة ونبذ البغض"، مشيرا إلى أن النظام السابق أجرم في حق عدد من مشايخ الجامع وحاول تركيعهم.

وفي رد على ذلك، أوضح المستشار السياسي والإعلامي لوزير الشؤون الدينية علي اللافي أنه وعندما يتم الحديث عن مصالحة مع مشايخ لا بد أن نذكر أن "مهمة العزل والتنصيب من مهام وزارة الشؤون الدينية"، مشيرا إلى أنه لا يمكن الحكم على عدد من المشايخ بخدمة النظام السابق إلا من خلال حكم قضائي.

وأوضح أن هناك إشكالات متعلقة بموقع الذين درسوا في جامع الزيتونة والحاصلين على شهادات منه، وكيفية اختيار الهيئة الجديدة للتدريس، مشيرا إلى أنه يتم العمل على ذلك من قبل الهيئة العلمية والوزارة.

وذكر اللافي في سياق تصريحاته للجزيرة نت أن الحديث عن عودة التدريس يجب أن يقترن بالحديث عن "إعداد برامج تتلاءم مع تطورات الواقع"، مضيفا أن "إعادة إشعاع الجامع تتطلب إستراتجية كاملة متعددة الأبعاد، يجب أن تنبني على قراءة للواقع السياسي والعلمي والثقافي والإقليمي الراهن".

المصدر : الجزيرة