رجل من أنصار أونغ سان سو تشي يحمل صورتها في حشد لمؤيديها في يانغون (الفرنسية)
 
تحظى الانتخابات التشريعية التي بدأت اليوم الأحد في ميانمار باهتمام دولي لافت رغم أنها دولة فقيرة لا تكاد يرد لها ذكر في الأحداث العالمية. فلماذا كل هذا الزخم الإعلامي تجاه دولة مثل ميانمار؟ وكيف وصلت إلى مرحلة التحول الديمقراطي بعد سنوات طويلة من حكم العسكر؟

لعل أكثر ما يثير اهتمام العالم بميانمار هو موقعها المتميز من الناحيتين الإستراتيجية والاقتصادية، فهي تربط بين مناطق جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا والصين. وهي محشورة بين الهند في الشمال الغربي والصين في الشمال الشرقي، ولذلك فهي الحلقة الأضعف بين هاتين القوتين مما جعلها مسرحا لصراعات عرقية وسياسية داخلية.

وتكتسب ميانمار أهمية في صراع الهيمنة الذي يدور بين الولايات المتحدة والصين، خاصة أنها تعد ضمن مناطق النفوذ الصيني.

وقد ظلت ميانمار ترزح تحت وطأة أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية ردحا من الزمان يوجزها بعض المراقبين في قضيتين باعتبارهما أس النزاعات المسلحة والمتاعب الراهنة، وهما التحول الديمقراطي وإقامة دولة اتحادية.

ومع انتخابات اليوم وهي الثالثة من نوعها في نصف قرن، تدخل ميانمار مرحلة جديدة من مراحل تطورها السياسي الذي اتسم بعقود طويلة من حكم العسكر تخللتها حركات تمرد عرقي وتململ شعبي واجهتها الحكومات المتعاقبة بالقمع والإجراءات الصارمة.

وكانت أول حكومة تتولى مقاليد الأمور في البلاد عقب الاستقلال من بريطانيا في يناير/كانون الثاني 1948 مدنية، لكن الجنرال ني وين أطاح بها في مارس/آذار 1962 في انقلاب أبيض تبنت حكومته الجديدة الاشتراكية مبدأ لإدارة شؤون الدولة.

وتنحى ني وين عن رئاسة الدولة في نوفمبر/تشرين الثاني 1981 لكنه احتفظ برئاسة الحكومة باعتباره زعيما للحزب الحاكم.

ولعل من أغرب قرارات حكومته سحبها في سبتمبر/أيلول 1987 للعملة المحلية من فئات نقدية محددة دون تعويض حامليها في وقت كانت تعاني فيه البلاد من شح في إمدادات الأرز، الغذاء الرئيسي للسكان.

وفي مارس/آذار 1988 اشتبك الطلبة مع الشرطة في العاصمة يانغون فيما وصف بأنها بداية لانتفاضة شعبية من أجل الديمقراطية عمت أرجاء ميانمار وتعاملت معها قوات الأمن بوحشية مما أسفر عن مقتل المئات.

أكثر ما يثير اهتمام العالم بميانمار هو موقعها المتميز من الناحيتين الإستراتيجية والاقتصادية، فهي تربط بين مناطق جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا والصين. وهي محشورة بين الهند في الشمال الغربي والصين في الشمال الشرقي

بروز سو تشي
وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه أعلن الجنرال ساو ماونغ استيلاءه على السلطة. وفي تلك السنة برز اسم أونغ سان سو تشي داعية للديمقراطية حيث أسست حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية.

وعمدت الحكومة في يونيو/حزيران 1989 إلى تغيير اسم البلاد من بورما إلى ميانمار والعاصمة من رانغون إلى يانغون. ثم وضعت سو تشي ونائبها تين أوو قيد الإقامة الجبرية.

ثم حدث تطور سياسي هام، حيث دعا المجلس العسكري الحاكم في مايو/أيار 1990 إلى انتخابات عامة أحرز خلالها حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بزعامة سو تشي فوزا ساحقا. غير أن العسكر رفضوا نقل السلطة إلى حكومة مدنية.

ومن الأحداث الهامة في تاريخ ميانمار السياسي حصول سو تشي في أكتوبر/تشرين الأول على جائزة نوبل للسلام تقديرا لنضالها السلمي ضد النظام الحاكم في بلادها.

وفي يوليو/تموز 1992 تولى الجنرال ثان شوي زمام السلطة من ساو ماونغ ليصبح رئيسا للمجلس العسكري ورئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع.

وتحررت سو تشي من قيد الإقامة الجبرية في يوليو/تموز 1995 لكنها أعيدت إليه في سبتمبر/أيلول 2000. وفي مايو 2002 أفرج عن سو تشي لكنها وضعت رهن "الحبس الوقائي" في مايو/أيار 2003. وشهد سبتمبر/أيلول 2007 ثورة الرهبان البوذيين حيث شارك 10 آلاف منهم في مسيرة احتجاجية بمدينة مندالاي شمالي البلاد.

غير أن نقلة نوعية في تاريخ العمل السياسي في ميانمار حدثت في 30 مارس/آذار 2011 عندما أدى الجنرال العسكري السابق ثين شين القسم رئيسا لبلاد فحل المجلس العسكري. وتقاعد الجنرال ثان شوي بعد عقدين من الحكم. بيد أن هذه الخطوات لم تنل رضا الغرب الذي وصفها بأنها إجراءات تجميلية.

وفي 19 أغسطس/آب 2011 التقى الرئيس ثين شين لأول مرة بأونغ سان سو تشي، ليبدأ بعدها عصر جديد من الإصلاح السياسي تخلله إنشاء هيئة لحقوق الإنسان، وزيارة منسق السياسة الأميركية ديريك ميتشيل لميانمار للمرة الأولى، والإفراج عن عدد من السجناء السياسيين.

وفي سياق الإصلاحات السياسية تلقى حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية موافقة رسمية لخوض انتخابات الأول من أبريل/نيسان 2012، وأعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيفتح مكتب له في ميانمار لإدارة برامج المساعدات ولعب "دور سياسي".

وفي يناير/كانون الثاني من العام الجاري وافق الاتحاد الأوروبي على تخفيف العقوبات المفروضة على ميانمار.

وبعد كل تلك التطورات على الصعيد السياسي تبقى ميانمار محط أنظار العالم والغرب خاصة ليس لأجل ديمقراطية منشودة بل لموقها الإستراتيجي ومواردها الطبيعية الزاخرة التي يسيل لها لعاب القوى الكبرى.

المصدر : مواقع إلكترونية