إعلان برقة.. جدل ومخاوف
آخر تحديث: 2012/3/8 الساعة 23:10 (مكة المكرمة) الموافق 1433/4/15 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/3/8 الساعة 23:10 (مكة المكرمة) الموافق 1433/4/15 هـ

إعلان برقة.. جدل ومخاوف

المشاركون في المؤتمر سعوا إلى طمأنة الليبيين بأن خيارهم الفدرالية وليس التقسيم (الفرنسية)

هشام عبد القادر

أثار إعلان منطقة برقة شرقي ليبيا "إقليما فدراليا اتحاديا" جدلا رسميا وشعبيا حادا ومخاوف من تقسيم البلاد، حيث اعتبره مؤيدون معالجة لقضية التهميش وتحسين الأوضاع بالمنطقة الشرقية وليس تهديدا لوحدة ليبيا الوطنية والترابية، بينما رأى معارضون أنه بداية لتقسيم ليبيا وخطوة في اتجاه تمزيقها.

شرارة الجدل الراهن في ليبيا انطلقت بعد أن أعلن زعماء قبائل وسياسيون ليبيون -خلال مؤتمر عقد الثلاثاء في بنغازي- محافظة برقة "إقليما فدراليا اتحاديا"، وأنشؤوا مجلسا لإدارة شؤون المنطقة برئاسة الشيخ أحمد الزبير أحمد الشريف السنوسي.

كما قرروا خلال المؤتمر الذي عقد بمشاركة قرابة ثلاثة آلاف شخص من أهل برقة -التي يبلغ عدد سكانها أكثر من مليون ونصف مليون نسمة حسب تعداد أجري عام 2006- تكليف المجلس بإدارة شؤون الإقليم والدفاع عن حقوق سكانه في ظل مؤسسات السلطة الانتقالية المؤقتة القائمة حاليا، واعتماد دستور الاستقلال الصادر في 1951، مع إضافة بعض التعديلات التي تقتضيها ظروف ليبيا الراهنة.

وكانت ليبيا بعد استقلالها في 1951 مملكة اتحادية تتألف من ثلاث ولايات، هي طرابلس (غرب) وبرقة ( شرق) وفزان (جنوب غرب)، وأكبرها مساحة برقة، ويتمتع كل منها بالحكم الذاتي. وفي 1963 جرت تعديلات دستورية ألغي بموجبها النظام الاتحادي، وحُلّت الولايات الثلاث وأقيم بدلا منها نظام مركزي يتألف من عشر محافظات.

ويذكر أن الإيطاليين احتلوا برقة خلال الحرب الإيطالية التركية عام 1911، وأعلن عن محمية برقة، وتنازلت الدولة العثمانية رسميا عن الإقليم لإيطاليا بعد معاهدة أوشي بين الطرفين. وفي 17 مايو/أيار 1919 أعلنت برقة مستعمرة إيطالية، وفي 25 أكتوبر/تشرين الأول 1925 اعترفت إيطاليا بالشيخ "سيدي إدريس" كزعيم للسنوسيين وعرف بلقب "أمير" حتى سحبت إيطاليا اعترافها به وبالسنوسيين عام 1929.

وفي 1 يناير/كانون الثاني عام 1934 أصبحت برقة وإقليم طرابلس وفزان تحت الاستعمار الإيطالي، وعرفت باسم "ليبيا الإيطالية" حتى الحرب العالمية الثانية التي تلاها استقلال ليبيا عام 1951 وإعلان المملكة الليبية المتحدة، وضمت ولايات برقة وطرابلس وفزان، وأعلن الملك إدريس السنوسي ملكا على البلاد. 

السنوسي قال إن إعلان برقة نهائي لا رجعة فيه (الفرنسية)

طمأنة ودفاع
وقد سعى المشاركون في المؤتمر المذكور إلى طمأنة الليبيين بأن خيارهم الفدرالية وليس التقسيم، مستشهدين في هذا الخصوص بالأنظمة المشابهة في الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وأستراليا.

وقد أكد الشيخ أحمد الزبير أحمد الشريف السنوسي رئيس "مجلس إقليم برقة" أن قرار إعلان برقة إقليميا فدراليا اتحاديا هو قرار نهائي لا رجعة فيه. وشدد السنوسي على أن المجلس "لن يتحاور مع أي طرف، إلا في إطار الفدرالية". 

وقال "نحن لسنا دعاة انفصال ولسنا أتباعا لأي دولة كانت، ولو كنا نريد الانفصال خلال بداية ثورة السابع عشر من فبراير، لكان هذا ممكنا لأن المنطقة الشرقية تحررت تماما خلال أربعة أيام، ولكننا لم نرض أن يظل إخواننا بباقي المناطق تحت سيف الطاغية ولذا استمرت مشاركتنا بالقتال ضده في كل المناطق الليبية، وهذا شرف لنا نعتز به".

ويذكر أن السنوسي هو ابن عم الملك الليبي الراحل إدريس السنوسي، وقد سجن تحت حكم العقيد الراحل معمر القذافي قرابة 31 عاما، وتم اختياره عن السجناء السياسيين عضوا بالمجلس الوطني الانتقالي. 

رفض وتنديد
في المقابل دعا رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل مجلس برقة إلى العدول عن فكرة الفدرالية، ملوّحاً باستخدام القوة للحفاظ على وحدة ليبيا.

وقال عبد الجليل في كلمة له خلال مؤتمر الميثاق الوطني في مدينة مصراتة (شرق طرابلس)، إن المعطيات التي استند إليها دعاة الفدرالية هي موجودة على أرض الواقع ولكنها ليست مبرراً للانفصال وليست مبرراً لتقسيم ليبيا.

عبد الجليل لوّح باستخدام القوة للحفاظ على وحدة ليبيا (الجزيرة)

وأضاف "نحن كمجلس وطني مستعدون للحوار، نحن لا نقصي أحداً ولا نهمش أحداً ولا نخوّن أحداً، ليبيا وحدة واحدة اليوم وغداً ولو بالقوة".

ولفت عبد الجليل إلى أن المجلس الانتقالي الليبي ليس مستعدا لتقسيم ليبيا، داعياً أهالي برقة إلى أن يعوا أن بينهم مندسين، ومن تأخّر كثيراً في الالتحاق بركب الثورة ويريد الآن مكانا، وبينهم من هم من أعوان النظام السابق.

من جهته اعتبر مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني أن إعلان منطقة برقة إقليما فدراليا هو بداية لتقسيم ليبيا. وأضاف الغرياني أن التقسيم يؤدي حتما إلى خلاف ويفتح الباب للتنازع على أمور كثيرة منها مصادر الثروات.

وأشار إلى أن الفدرالية في ظل استمرار الفساد لن تتمكن من حل المشكلات بل ستزيد الشعور بالتهميش، وشدد على أن الحل الحقيقي لمشكلة مركزية الحكم يكمن في القضاء على الفساد الإداري وفرض القانون ووجود إدارة صارمة تعاقب المقصر في عمله.

وفي السياق نفسه، حذرت جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا من أن "الفدرالية ستكون خطوة في اتجاه تمزيق ليبيا"، وقالت في بيان إنها تعتبر "الوحدة الوطنية لليبيا هدفا أساسيا ورافدا حيويا من ثوابت ثورة 17 فبراير نحو إرساء دعائم دولة مدنية تتمتع بدرجة عالية من التجانس في إطار موحد".

وأكدت الجماعة أن "المشكلة كانت مع النظام الشمولي، والفوضوية الإدارية لا يمكن أن تحل إلا بالبناء المتدرج لمؤسسات الدولة"، مشددة على أن "الإدارة المحلية بمفهومها الصحيح هي البديل الأمثل للفدرالية التي ستكون خطوة في اتجاه تمزيق ليبيا كما حدث في السودان".

الإعلان قوبل برفض شعبي (الجزيرة نت)

رفض شعبي
وبالتزامن مع الرفض الرسمي، سارع الشارع الليبي إلى رفضه الإعلان، حيث شهدت مدن طرابلس وبنغازي والبيضاء وشحات ودرنة وطبرق في الشرق وقفات احتجاجية رافضة لإعلان إقليم برقة، الممتد من حدود مصر في الشرق إلى سرت غربا، فدراليةً تستمد شرعيتها من الدستور الذي أقر إبان عهد الملك الراحل إدريس السنوسي عام 1951.
 
وقال المتظاهرون إن ليبيا التي تخلصت من نظام العقيد الراحل معمر القذافي "لا شرقية ولا غربية"، مؤكدين في هتافاتهم أن الدماء التي أريقت لم تكن من أجل الفدرالية.

ورفض بيان للقوى الوطنية موقع من أربعين تجمعا سياسيا وحقوقيا ومؤسسة مدنية، أبرزهم تجمع "ليبيا الديمقراطية" وجماعة الإخوان المسلمين والتجمع الوطني الديمقراطي وحزب الوطنيين الأحرار واتحاد "ثوار ليبيا" واتحاد ثوار 17 فبراير/شباط الانطلاقة الأولى وتجمع ليبيا الشباب الديمقراطي، أي دعوات تنادي بالعودة إلى النظام الاتحادي الذي كان يقوم على تقسيم ليبيا إلى ثلاث ولايات، لكل منها حكومة ومجلس تشريعي.

وبين مؤيد ورافض لإعلان برقة يعتقد مراقبون أن ليبيا قد دخلت في مرحلة مفصلية، ويعربون عن الخشية من أن تقود تداعيات هذا الإعلان إلى حرب أهلية وتقسيم البلاد، خاصة في ظل فوضى انتشار السلاح وهشاشة الوضع في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة التي تمر بها البلاد.
__________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة + وكالات

التعليقات