السياحة لعلاج أمراض السياسة
آخر تحديث: 2012/3/6 الساعة 18:26 (مكة المكرمة) الموافق 1433/4/13 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/3/6 الساعة 18:26 (مكة المكرمة) الموافق 1433/4/13 هـ

السياحة لعلاج أمراض السياسة

شوارع يانغون تعج بالحياة (الجزيرة)

عزت شحرور-يانغون

باغودا "شوي داغون" هي الأشهر في المنطقة، لكنها ليست المكان الوحيد في ميانمار الذي يغري السياح بحزم حقائبهم وحجز تذاكرهم والتوجه إلى هناك دون تردد.

فالبلاد تعج بالمواقع الأثرية والتاريخية والدينية البوذية وكذلك البيئية، فهي تتمتع بمناخ صالح للسياحة طوال أيام العام. لكن نصف قرن من خضوع البلاد لحكم شيوعي وآخر عسكري، أدخل البلاد في عزلة دولية خانقة وعرّضها لوطأة عقوبات دولية قاسية أنهكت البلاد والعباد، وأدت إلى غياب كامل لبنية تحتية قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من السياح.

فمدينة يانغون على سبيل المثال تعاني من نقص حاد في أعداد الفنادق، كما تعاني من انعدام شبكة اتصالات فعالة. وبإمكانك الحصول على بطاقة اتصال لهاتف محمول بعشرين دولارا فقط، لكنك لن تكون قادراً على استخدامه إلا لمكالمة دولية واحدة وقصيرة، وليس بمقدورك إعادة شحنه، بل عليك أن ترميه وتستبدله برقم آخر. أما بالنسبة للأرقام الدائمة فإن سعر الواحد يتجاوز 800 دولار.

شبكة المواصلات هي الأخرى حدث عنها ولا حرج، فشوارع المدينة تعج بسيارات عقد الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بعضها مقود السائق فيها على اليمين وفق النظام البريطاني، وبعضها الآخر على الشمال، ولهذا لا تدري من أين تركب. وعندما تقرر النزول من السيارة فستجد نفسك في المكان الخطأ، في وسط الشارع تماماً والسيارات تلمح من أمامك ذات اليمين وذات الشمال.

ومع هذا فإن أعداد السياح ازدادت بنسبة 20% وفق إحصاءات رسمية. وتسعى الحكومة إلى الارتقاء بأعدادهم إلى نصف مليون سائح هذا العام، ولهذا خففت إجراءات منح التأشيرات بعدما كانت تفرض قيودا وتعقيدات على ذلك.

إحدى السائحات الألمانيات قالت للجزيرة نت إنها تعشق هذه البلاد وأهلها، وأضافت "إنني سعيدة، فقد بتنا قادرين على الزيارة فرادى ولفترة أطول بعدما كان محظوراً علينا إلا ضمن مجموعات سياحية ولفترة قصيرة وإلى أماكن يحددونها هم لنا".

أحد التجار في سوق أون سان المعروف قال لنا بفرح بعدما انتهى من بيع إحدى القطع الفنية اليدوية لأحد السياح، "طبعاً إنني مسرور بزيادة أعداد السياح.. إن ذلك يعني أننا سنبيع أكثر وبأسعار أفضل، وأن ظروفنا ستتحسن بسرعة.. إنني متفائل بالمستقبل".

الأزمة السياسية
يذكر أن الحكومة السابقة التي كان يديرها الجنرالات أو ما عرف باسم المجلس العسكري، سبق أن حاولت اللجوء إلى تشجيع السياحة بهدف الخروج من العزلة الدولية المفروضة عليها. لكن زعيمة المعارضة أون سان سوتشي طالبت السياح آنذاك بعدم الحضور، قائلة "نراكم لاحقاً.. لا تأتوا الآن".

بطاقات تذكارية لزعيمة المعارضة أون سان سوتشي (الجزيرة)

أما بعد تشكيل الحكومة المدنية الجديدة ودخول البلاد في مرحلة جديدة من الإصلاحات السياسية والانفتاح، فإن سوتشي تلتزم الصمت أمام زيادة عدد السياح، وقد يبدو هذا الصمت دليل رضى برأي المراقبين.

السياحة كانت فرصة أيضاً لشريحة كبيرة ظلت لفترة طويلة صامتة وحبيسة المعابد.. إنهم الرهبان ذوو الأردية الزعفرانية. قال لنا أحدهم "لقد بدأتُ ومجموعة من أصدقائي نتعلم اللغة الإنجليزية بهدف التواصل مع السياح ونشر الثقافة البوذية في جميع أنحاء العالم".

يانغون تعج بالحركة والنشاط، فهذا هو طبعها كما قيل لنا.. تستيقظ مبكراً كمعظم سكان المناطق الاستوائية قبل أن تدركها شمس الظهيرة الحارقة، فقد اعتاد أهلها على ممارسة تقاليد كثيرة، منها روتين يؤدونه طوعاً ثلاث مرات في اليوم وهو انتظار الرهبان البوذيين بأرديتهم الزعفرانية المميزة الذين يخرجون من معابدهم في طوابير طويلة ويجوبون الشوارع المجاورة حفاة وبأيديهم قصع يجمعون فيها ما يجود به الجيران من أرز وطعام والعودة بها إلى المعابد لتكون وجبة مشتركة لجميع الرهبان.

ولدى الأهالي أيضاً متسع من الوقت لبذر حبوب الذرة لأسراب الحمام المنتشرة في معظم أحياء المدينة وأسواقها ومعابدها, والتي ترفرف دون خوف أو وجل على الأكتاف والرؤوس وبين الأيادي، تلتقط منها حبات الذرة الصفراء المبلولة بالماء.

هذه الحياة البسيطة والطبيعة المسالمة لسكان البلاد والابتسامات المنتشرة على كل الوجوه، تشكل عاملاً مهماً آخر يستقطب السياح من شتى بقاع الأرض، بعيداً عن ضوضاء المدن الكبيرة، وهرباً من موجات غلاء تضرب في أكثر من مكان.

المصدر : الجزيرة