بعض أطفال الشوارع يبيعون ما جمعوه من أوراق القات جنوبي مقديشو (الجزيرة نت)
قسم سهل-مقديشو

مع استمرار المشكلات التي يعاني منها الصومال، يجد عشرات الأطفال أنفسهم في الشوارع دون معيل، كواحد من أشد إفرازات الحرب وعدم الاستقرار اللذين تعاني منهما البلاد لأكثر من عقدين.
 
وفي جولة قامت بها الجزيرة نت في شوارع العاصمة مقديشو، تعرفنا على عدد من هؤلاء الأطفال، أعمارهم متفاوتة وجلهم من الذكور، مستقرهم زوايا الشوارع والأبنية المتهدمة والمهجورة، بعضهم يمتهن مسح الأحذية وجمع أوراق القات وأعمال التنظيف، بينما يحترف البعض السرقة والتسول.
 
ويقدر عدد هؤلاء الأطفال -حسب آخر إحصاء لصندوق الأمم المتحدة للطفولة عام 2005- بألفي طفل، بينما تشير تقديرات أجرتها منظمة رعاية أطفال الصومال -وهي منظمة محلية تعنى بشؤون الأطفال- إلى أن 7000 طفل يعيشون في شوارع العاصمة وحدها، مشيرة إلى أن نصف هذا العدد انخرط في سلك أطفال الشوارع في السنوات الخمس الأخيرة.

أسباب التشرد
وتتعدد العوامل التي تدفع الأطفال في الصومال إلى التشرد في الشوارع، منها التفكك الأسري نتيجة للطلاق بين الزوجين أو بسبب وفاة أحد الوالدين أو كليهما، أضف إلى ذلك العنف والحرب المستمرة والفقر والبطالة، وتعرض الصغار لمضايقات في البيت والتسرب من التعليم، كما يقول رئيس منظمة رعاية أطفال الصومال ياسين عبد الله جالير.

جالير: الحرب والتفكك الأسرى من أهم الأسباب (الجزيرة نت)

وفي زاوية من التقاطع الرئيسي بمنطقة كيلو 4 في قلب العاصمة مقديشو، قال ليبان محمود (11 عاما) إن والدته توفيت قبل ثلاث سنوات تقريبا وإن والده أهمله ولم يعطه الرعاية المستحقة، كما قال إنه تعرض لمعاملة قاسية وضرب متكرر من زوجة والده.

وأضاف ليبان -الذي كان يلبس قميصا تراكمت عليه الأوساخ، ويستنشق السجائر مع زملائه- أن "الشارع أفضل من بيت والدي، أجد فيه حرية وأتصرف كيفما أشاء، ولا أفكر في العودة إلى البيت لأن والدي وزوجته يضربانني".

وبدوره روى لنا محمد عبدي (13 عاما) الذي كان موجودا في نفس المكان قصة هروبه من البيت، وقال إن والدته هجرت المنزل ووالده تركه في منزل عمه الذي لم يهتم برعايته، الأمر الذي دفعه إلى الشارع، وذكر أيضا أنه طرد قبل ذلك من المدرسة بسبب عدم قدرة أبيه على دفع الرسوم الدراسية، مضيفا أنه يمارس السرقة والتسول للحصول على ما يشتري به التبغ ويتناول بقايا الطعام من المطاعم.

وفي السوق الرئيسي للقات بالعاصمة، يوجد عدد كبير من أطفال الشوارع من أمثال موليد عمر الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، وكان عندما التقيناه منهمكا في جمع الأوراق التي تسقط من أيدي باعة القات لإعادة بيعها للأشخاص غير القادرين على شراء حزمة القات الباهظة الثمن.

وقال للجزيرة نت إنه يحصل يوميا على ثلاثين ألف شلن من العملة المحلية (1.2 دولار تقريبا) وأحيانا أقل، وذكر أن أخاه الأكبر منه بثلاث سنوات هو أيضا من أطفال الشوارع ويمسح الأحذية، وأنهما يساعدان أسرتهما الفقيرة التي تسكن في تجمع عشوائي بمنطقة تربونكا جنوب مقديشو، مضيفا "لم أدرس أي شيء، لكن أحلم بذلك إن وجدت من يساعدني فيه".

قلق
وعبرت رئيسة قسم تنمية المرأة والطفل في وزارة شؤون المرأة والأسرة مريم معلم إسحق -في حديث للجزيرة نت- عن قلقها تجاه مستقبل أطفال الشوارع، وحذرت من مستقبل مظلم ينتظر هؤلاء إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع.

مشردون في مركز لرعاية أطفال الشوارع بمقديشو (الجزيرة نت)

وبحسب المسؤولة الصومالية، فإن هؤلاء الأطفال -رغم تعاطي بعضهم المخدرات ودخولهم في مستنقع الجريمة- مستعدون لإعادة تأهيلهم، مشيرة إلى أن وزارتها قادرة على القيام بذلك إذا توفرت لها الإمكانيات المادية.

وقالت إسحق "يجب على الجميع التحرك سريعا لإنقاذ هؤلاء الأطفال لأنهم يستغلون من قبل العصابات الإجرامية ويشكلون خطرا على أنفسهم وعلى المجتمع".

محاولات  
وفي هذا الصدد، ذكر رئيس مركز البر لأطفال الشوارع والأيتام عبد الغني حسن علي للجزيرة نت أن مركزهم الذي أسسه شباب متطوعون في العام الماضي يؤوي 300 طفل من شوارع مقديشو،
وأوضح أن المركز يوفر وجبات وقدرا من التعليم لهؤلاء الأطفال، من خلال تبرعات قليلة يجمعونها من التجار ومساعدات غير منتظمة من بعض المنظمات الإغاثية.

ومن جانبه، ذكر ياسين عبد الله جالير أن مركز حمرججب التابع لمنظمة رعاية أطفال الصومال يحتضن حوالي 200 طفل من أجل إعادة تأهيلهم، والعمل على اندماجهم في المجتمع، وقال للجزيرة نت "عندما رأينا الوضع المزري الذي يعيش فيه أطفالنا في الشوارع، وحرمانهم من كل شيء من الحياة الطبيعية والتعليم والعلاج، قمنا بإنشاء المركز لإنقاذ بعضهم".

غير أن هذه المراكز -التي تعاني من نقص كبير في الإمكانيات- ما زالت جهدا متواضعا قياسا بالعدد الكبير من الأطفال المشردين في الشوارع، والذين لا شك أن حل مشكلاتهم يقتضي في جانب كبير منه حل الأزمة الصومالية، وإعادة النسيج الاجتماعي الذي مزقته فترة طويلة من الحرب الأهلية.

المصدر : الجزيرة