محمد سابط  كان يعمل مديرا عاما في هيئة السياحة فاضطرته الظروف إلى العمل سائق تاكسي (الجزيرة نت)

                                                                             كريم حسين-بغداد

حين انهارت البنية التحتية في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003 وتوقفت مرافق الحياة فيه، لم يكن يدور ببال محمد سابط أن هذا الحدث المفصلي سيغير مجرى حياته بالكامل.
 
محمد البالغ من العمر (45 عاما) أصر -قبل أن يبدأ في سرد قصته للجزيرة نت- على أن يطرح سؤالا عن الفرق بين المخ والعقل، ويرى أن الفرق بينهما كالفرق بين الجزئيات والعموميات، مشيرا إلى أن ما حصل ويحصل الآن في العراق هو إيقاف تطور الفرد ونموه بشتى الوسائل.

وكان همّ محمد -بعد تخرجه من كلية السياحة عام 1985- ينحصر في كيفية تطوير نفسه في شتى المجالات، والبحث عن أحدث التقنيات العلمية والتكنولوجية، لكن همه تحول الآن إلى السعي للحصول على دينار أو دينارين ليسد جوع أطفاله ويدفع إيجار مسكنه، وهنا -يقول محمد- يتوقف العقل، "وهو ما تبحث عنه الجهات الساعية لتعطيل النمو العراقي".

ومحمد -الذي كان يعمل مديرا عاما في هيئة السياحة- اختار الآن أن يعمل سائق تاكسي يحمل معاناة فردية تمثل جزءا من معاناة أشمل لأصحاب الكفاءات في البلد.

ويقول إنه اضطر للتخلي عن وظيفته بسبب سيطرة الأحزاب على هيئات السياحة في البلد، وعدم فسحها المجال للكفاءات لدخول سوق العمل، فلم يكن أمامه سوى ترك العمل رغم أنه يمتلك شهادات خبرة تمكنه من إدارة أكبر المرافق السياحية في البلد.

ويسرد محمد حكاية طريفة، فيقول إنه عندما عُرضت مشكلته على وزير سياحة السابق، قال إن "من الأفضل لشخص يمتلك مثل هذه الخبرة أن يجلس مكاني".

ويضيف أنه اختار أن يكون سائق تاكسي، وهنا بدأت معاناته مع المهنة الجديدة بأزمة الوقود الخانقة التي كانت تعصف بالبلد قبل سنوات، ثم تحولت بعد ذلك إلى أزمة مرورية خانقة تسرق منه معظم ساعات العمل فيعود للبيت، وهو لم يكسب سوى مبلغ بسيط لا يكفي أحيانا لتلبية حاجات الأسرة اليومية.

سعد أحمد يشكو من مضايقة السياسيين لأصحاب الكفاءات  (الجزيرة نت)

حالة عامة
ويقول إن حالته ليست حالة خاصة بل حالة عامة، فقد صادف قبل أيام شابا يحمل شهادة الماجستير يبيع السجائر عند إحدى محطات الوقود.

ويخلص محمد إلى أن الكفاءات غير مرغوب فيها حاليا لأن المتنفذين في الدوائر الحكومية لا يرغبون في وجود أشخاص آخرين ينافسونهم على المنصب، وقد انعكس ذلك على تأخر تنفيذ المشاريع في البلد لأن من يشرف عليها لا يملك الخبرات المطلوبة لإنجاز العمل بالشكل المطلوب.

ولا تقتصر معاناة أصحاب الكفاءات على العراقيين داخل البلد، بل تمتد لتشمل أولئك المقيمين في الخارج، والذين لديهم الرغبة في العودة إلى العراق والعمل على تسخير طاقات لصالحه.

فرغم أن الجهات الرسمية -وعلى رأسها مجلس الوزراء- لا تنفك عن دعوة كفاءات الخارج للعودة وخدمة البلد، فإن واقع الحال يشي بغير ذلك.

سعد أحمد -أستاذ الرياضيات الذي يحمل شهادة الماجستير- يقول إنه لبى دعوة الدولة وعاد للعراق عام 2009، لكنه انتظر عامين ونصف عام للحصول على وظيفة عانى بسببها معاناة شديدة لم يكن يتوقعها، وأرجع ذلك إلى الفساد الإداري.

وشدد على أن هناك تناقضا بين الجهات العليا التي تدعو الكفاءات للعودة، والجهات الأدنى التي تعمل على النقيض من ذلك.

ويدعو أحمد الجهات المعنية إلى تسليم دفة الأمور إلى أصحاب الكفاءات والخبرة ليتولوا بأنفسهم إدارة مؤسسات الدولة ووضع الخطط وتنفيذها، في حين يبقى السياسيون مجرد عامل مساعد في إدارة المؤسسات كما هو الحال في البلدان المتقدمة.

المصدر : الجزيرة