حافلات تقل آخر فوج من الزنوج العائدين من السنغال إلى مدينة روصو الحدودية (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط

نظمت السلطات الموريتانية أمس الأحد بمدينة صورو جنوبي البلاد مهرجانا للاحتفاء بعودة آخر فوج من الزنوج الموريتانيين الذين لجؤوا إلى السنغال لديارهم، ووصف الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز هذا الحدث بأنه "فرحة مزدوجة" لتزامنه مع تخليد يوم المصالحة الوطنية الذي أقره الرئيس الحالي قبل ثلاث سنوات يوم 25 مارس/آذار من كل سنة في مسعى لتعزيز التوافق والتصالح بين كافة مكونات الشعب.

وجاءت تصريحات ولد عبد العزيز في مهرجان خطابي نظمته الحكومة بمدينة روصو جنوبي البلاد ضمن الاحتفالات بيوم المصالحة الوطنية، حيث أكد أن "هذا اليوم بات يوما بارزا وهاما في تاريخ موريتانيا الحديثة حيث انطلقت فيه مبادرة المصالحة من خلال حل ملف الإرث الإنساني الناتج عن انتهاكات حقوق الإنسان التي عرفتها موريتانيا في الحقب الماضية".

وأضاف أن "هذه الانتهاكات شكلت تهديدا حقيقيا للوحدة الوطنية وعائقا أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية".

ويثير ملف الإرث الإنساني جدلا كبيرا في موريتانيا منذ نحو عقدين من الزمن، ولا يزال المئات من الزنوج الذين قتلوا خلال تلك الفترة مجهولي المصير، كما أن السجال لا يهدأ بين القوى السياسية بشأن تقييم الإجراءات والقرارات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة لمعالجة هذا الملف.

ولد عبد العزيز: الانتهاكات شكلت تهديدا حقيقيا للوحدة الوطنية (الجزيرة نت)

طيّ صفحة الماضي
ودافع ولد عبد العزيز في كلمته عن الخطوات التي اتخذها لطي صفحة الماضي بشكل نهائي، مشيرا إلى أن حكومته بادرت بطرح الأسس الفعالة لحله بالتعاون مع منظمات الدفاع عن حقوق الضحايا، والاعتراف بمسؤولية الدولة فيما حدث وضمان الحق في التعويض، مع واجب الذاكرة من خلال أداء صلاة الغائب على أرواح الضحايا يوم 25 مارس/آذار 2009.

وبينما كان ولد عبد العزيز يحتفل مع عدد من أعضاء حكومته وحشد من أنصاره بيوم المصالحة بروصو، تظاهر العشرات من النشطاء الزنوج في العاصمة نواكشوط احتجاجا على المساعي الرامية لإغلاق الملف وتنديدا بتعاطي حكومة ولد عبد العزيز معه، ومطالبة بإنصاف الضحايا وذويهم.

ورفع المتظاهرون شعارات من قبيل "حاكموا الجزارين" و"لا للنسيان" و"نطالب بعودة اللاجئين في مالي"، كما رددوا هتافات تطالب بمحاكمة الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع والمتورطين معه في قتل الزنوج.

ورفض النشطاء الذين تظاهروا بدعوة من حركة "لا تلمس جنسيتي" ما يقولون إنه ادعاء باطل ومرفوض من الحكومة الموريتانية بإغلاق ملف الإرث الإنساني، حيث لا يزال هذا الملف يراوح مكانه وكل الإجراءات التي اتخذت حتى الآن إنما هي إجراءات شكلية لإسكات الضحايا والحقوقيين وليس لإحقاق العدالة، حسب قولهم.

مسيرة الزنوج بنواكشوط احتجاجا على السعي لطي ملف الإرث الإنساني (الجزيرة نت)

قانون العفو
وكان البرلمان الموريتاني قد صوت في العام 1993 على قانون يسمح بالعفو عن مرتكبي تلك الجرائم التي حدثت في نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي إثر اندلاع فتنة عرقية بين العرب والزنوج تم خلالها تصفية مئات الزنوج وإبعاد عشرات الآلاف منهم خارج البلاد، كما تم بالمقابل قتل وإبعاد أعداد مماثلة من العرب الموريتانيين القاطنين بالسنغال.

وقال منسق "لا تلمس جنسيتي" وان عبدول بيران للجزيرة نت إن الحركة تطالب بمساءلة البرلمانيين الذين صوتوا على قانون العفو في العام 1993 لمعرفة الدور الذي قاموا به للتستر على ما وصفها بـ"جرائم الإبادة".

وأضاف أن الحركة تسعى أيضا لسن قانون جديد يعترف بتعرض السود الموريتانيين لتطهير عرقي، وتعويض المتضررين منهم، ومحاكمة المجرمين وفي مقدمتهم الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع.

وشدد عبدول على أنه لا تستطيع أي حكومة مهما كانت أن تطوي هذا الملف قبل تحقيق العدالة الكاملة، منوها إلى أن تحقيق العدالة يتطلب تشكيل لجنة وطنية مستقلة تحقق في ماضي الإرث الإنساني وتكشف الحقائق كما هي بما في ذلك عدد القتلى وأماكن دفنهم وأسماء وهويات القاتلين الذين أمروا ونفذوا عمليات القتل قبل الحديث عن التعويض والصفح والتسامح.

المصدر : الجزيرة