الكنيسة المصرية مطالبة بالعودة لدورها الروحي  (الجزيرة)
عبد الرحمن سعد-القاهرة
 
طالب عدد من المفكرين المسيحيين بأن تتخلى الكنيسة المصرية عن الدور السياسي الذي ظلت تقوم به في عهد الراحل البابا شنودة الثالث، وأن تعود إلى ممارسة دورها الروحاني والاجتماعي في خدمة رعاياها، وقضايا الأمة، دعما للعمل الوطني، وللدولة المدنية.
 
وذكّروا بالفترة التي عاشتها مصر بين عامي 1908 و1952، إذ شهدت دورا متناميا للمسيحيين بالحياة العامة، بلغ حد إسناد رئاسة الوزراء إلى بطرس غالي، وعضوية ثلاثة مسيحيين بحكومة سعد زغلول، وإسناد رئاسة البرلمان إلى ويصا واصف، ومشاركة رموز مسيحية كمكرم عبيد بالحياة الحزبية.

وأشادوا بالدور الوطني للكنيسة بالستينيات ضد "إسرائيل" وتصدي البابا كيرلس السادس لمحاولتها إشعال أزمة مع إثيوبيا حول ماء النيل، وتفنيد البابا شنودة مقولة "شعب الله المختار" ومعارضته اتفاقية كامب ديفد، ومنعه الأقباط من زيارة القدس المحتلة.

لكنهم اتهموا نظام يوليو بأنه اختزل الأقباط منذ 1952 في شخصية البابا، فألغى الأحزاب، وعين ما بين سبعة وعشرة مسيحيين في كل برلمان، باختيار أهل الولاء من الشخصيات المسيحية الضعيفة، مما صبغ الدور الوطني للكنيسة بالصبغة السياسية، خاصة مع صعود البابا شنودة كبطريرك عام 1971، ووقوع عدد من حوادث الفتنة الطائفية، أبرزها حادث الخانكة عام 1972.

بابا العرب
وجود البابا الراحل على رأس الكنيسة، وما تمتع به من شخصية "كاريزمية" زاد من لجوء الأقباط إلى الكنيسة، لا سيما مع عدم وجود قناة تعبر عنهم، وفق حديث القس الدكتور إكرام لمعي للجزيرة نت، مشيرا إلى أن الرئيس الراحل أنور السادات حاول استخدام البابا في تمرير اتفاقية كامب ديفد، لكنه أبلغه بأنه ليس ضد السلام إلا أنه متحفظ إزاءها. وزاد من احتقان العلاقة بينهما تحريم البابا زيارة القدس "إلا يدا بيد مع المسلمين".

ولجأ السادات إلى تحديد إقامة البابا بوادي النطرون في قرارات 5 سبتمبر/ أيلول 1981، لكنه اغتيل الشهر التالي، فتسلم حسني مبارك الحكم، وألغى تحديد الإقامة عام 1985.

وقال إكرام لمعي، إنه وقبل ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، انطلقت شائعات بأن الكنيسة عقدت صفقة للقبول بتوريث الحكم مقابل أمور شملت بناء كنائس، وإن أكد أنها "شائعات" لا يمكن الاستناد إليها.

رامي عطا يطالب بالفصل بين الدينى والسياسى (الجزيرة)

وذكر لمعي بأنه عندما اندلعت الثورة طالب البابا المسيحيين بعدم المشاركة فيها و"هكذا أخطأت الكنيسة بموقفها من التوريث، ومن الثورة، ثم ارتكبت خطأ وخيما بتوجيهها التصويت في الانتخابات البرلمانية باتجاه إعاقة التيار الإسلامي، مما تسبب بنتائج عكسية".

دور وطنى ولكن
أما الباحث القبطي الدكتور رامى عطا فيؤكد على "استمرار الكنيسة في دورها الوطني فقط". ويضيف "كانت الكنيسة المصرية فى القرون الأولى رمزاً للاستقلال القومى، والحفاظ على الشخصية المصرية؛ فى مقابل غياب الاستقلال السياسى الذى كان بأيدى الرومان. وفي التاريخ الحديث كانت هناك مواقف تاريخية شهدت بوطنيتها، منها دور البابا كيرلس الرابع (1854-1861م) في حل مشكلة حدودية بين الدولة العثمانية وإثيوبيا أواسط القرن التاسع عشر".

وفي الثورة العرابية (1881-1882) وثورة 1919 وقفت الكنيسة إلى جانب الثوار والمواطنين ودعمت حرب أكتوبر 1973، وزار البابا شنودة جبهة القتال، وتدخلت الكنيسة لحماية حصة مصر من مياه النيل.

لكن الباحث القبطي يستدرك للجزيرة نت بأنه يجب الفصل بين الوطنى والسياسى، والروحى والزمنى، اتباعا لقول  المسيح "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله".

ويضيف أن الكنيسة المصرية منذ تأسيسها تمثل الأقباط بالنواحى الدينية، ولا تمثلهم سياسياً؛ لأنهم مواطنون يشاركون بالحياة العامة، أما توجيه الكنيسة للأصوات بالاستفتاء الدستوري (19مارس/ آذار 2011) وفى الانتخابات البرلمانية الأخيرة أمر مرفوض "لأن دور الكنيسة فقط حث المسيحيين على المشاركة السياسية، والاندماج فى أنشطة المجتمع، دون تأييد تيار أو حزب أو شخص بعينه".

الدولة والثورة

روبير الفارس "الأراخنة" حلقة الاتصال مع الدولة (الجزيرة)
المشكلة -وفق مؤسس حركة "الكرسي المرقسي لانتخاب البطريرك الجديد" روبير الفارس- أنه باختزال الأقباط في شخص البابا تحولت الكنيسة إلى بديل للدولة، فاختفت رموز علمانية قبطية، وهو أمر مرفوض، كما يقول، مطالبا بعودة البابا قائدا روحيا، وعودة رجال الكنيسة لدراسة اللاهوت، وعودة المواطن القبطي "نورا للعالم، وملحا للأرض" بأن يتصدر المشهد السياسي أولئك الذين تسميهم الكنيسة "الأراخنة" أي العلمانيين الذين يحتلون مناصب كبرى.

ويتفق معه في الرأي، الكاتب القبطي مدحت بشاي الذي يقول "الآن هناك ثورة، وقد أصابت الكنيسة رياحها، فخرج الشباب إلى ماسبيرو من أسوارها، وبالتالي يجب أن تركز الكنيسة على دورها الروحي، وأن تشجع الأقباط على العمل السياسي، كجزء من نسيج الأمة، دون اصطفاف ديني، أو تحزب مسيحي".

ويختتم "البابا شنودة كان يلجأ إلى موازنة الأمور على طريقة غاندي بالمقاومة السلبية في لحظات الغضب، وبرحيله يمكن صنع فرصة من الأزمة".

المصدر : الجزيرة