رغم تحقيق توريه إصلاحات سياسية هامة ظل رهان التنمية أبرز تحديات فترة حكمه (الفرنسية)
بعد أزيد من عقد كامل على رأس الجمهورية المالية لقي الرئيس أمادو توماني توريه المصير "الانقلابي" الذي كان يوما ما مساهما في صنعه بأعدائه، ورغم مساهمته -التي يشهد بها خصومه السياسيون- في منح مالي استقرارا سياسيا يندر وجوده في منطقة غرب أفريقيا.
 
تلقى توريه عدة تكوينات عسكرية في الاتحاد السوفياتي السابق وفرنسا بين 1974 و1978، وفي نهاية ثمانينيات القرن الماضي بدأ يترقى نحو المراتب العليا في الجيش والدولة بعد حصوله على رتبة عقيد في العام 1988.
 
ومع مطلع التسعينيات وتحديدا في 16 مارس/آذار 1991، شق الضابط الهادئ طريقه بقوة هذه المرة نحو القصر الرئاسي على وقع مظاهرات واحتجاجات شعبية ضد نظام الرئيس موسى تراوري، وتمكن توريه ومعه ضباط آخرون من الاستيلاء على السلطة ووضع حد لنظام الديكتاتور تراوري الذي حكم البلاد لنحو 23 عاما.
 
دور القيادة
قاد توريه إحدى أكثر المراحل الانتقالية صخبا في التاريخ الأفريقي، وأشرف بوصفه رئيسا للجنة انتقالية شكلها الانقلابيون على وضع ما يصفها بـ"أسس ديمقراطية حقة" في مالي، وإثر انتخابات تشريعية ورئاسية سلم السلطة للرئيس المنتخب ألفا عمر كوناري في العام 1992، أي بعد نحو عام على تسلمه السلطة من خلال انقلاب عسكري.
 
غادر توريه بعد تلك الانتخابات المشهد السياسي مستفيدا من "الإنجازات" السياسية التي حققها خلال مرحلة انتقالية لم تزد على 14 شهرا ومنتشيا بمكانة إقليمية وسمعة عالمية استطاع تحقيقها بعد تنازله طواعية عن السلطة وتسليمها لرئيس مدني منتخب في حالة نادرة الحدوث في القارة الأفريقية، وفي فترة كان منطق التناوب على السلطة شبه غائب في المحيط الإقليمي لمالي، أفريقيا وعربيا.
 
في الفترة الممتدة بين خروجه من السلطة عام 1992 وعودته إليها في العام 2002 اضطلع توريه بالعديد من المهام الدبلوماسية والإنسانية وعمل مبعوثا للأمم المتحدة ووسيطا دوليا في عدد من النزاعات، كما احتفظ بصلاته مع الجيش المالي، حيث ترقى في العام 1996 إلى أعلى رتبة في الجيش المالي، وهي رتبة لواء ركن، بعد أن رقي إلى رتبة جنرال في العام الذي تنازل فيه عن السلطة لحكومة مدنية.
 
هزات سياسية
وبعد نحو عقد من مغادرته للسلطة وبعد استفادته في العام 2001 من حقه في التقاعد، ترشح مستقلا لرئاسة الجمهورية، وانتخب رئيسا للبلاد في 24 مايو/أيار 2002 في انتخابات وصفت بالنزيهة والشفافة.
 
وبعد خمس سنوات فاز توريه من جديد بولاية ثانية بأكثر من 68% من أصوات الناخبين، وحصل منافسه الرئيسي إبراهيم أبو بكر كيتا على 18.6% فقط.
 
وبينما استطاع توريه تحقيق بعض الإصلاحات السياسية أثناء فترة حكمه لمالي ظلت المشاكل التنموية أبرز التحديات والمصاعب التي تواجه حكمه وتعرضه لهزات سياسية وأمنية من حين لآخر.
 
وجاءت الحرب التي دخلها منذ 17 يناير/كانون الثاني الماضي مع المقاتلين الطوارق لتجعل حكمه في مهب العواصف العاتية القادمة من الأقاليم الشمالية التي عانت طويلا من الفوضى الأمنية والإهمال التنموي وغياب مظاهر الدولة وسلطانها.
 
استخفت الحكومة التي يقودها توريه أكثر من مرة بالمقاتلين الطوارق وقللت من شأن المخاطر التي تشكلها الحرب معهم على أمن البلاد واستقرار الأوضاع، لكن التمرد الطوارقي في الأسابيع الماضية يوشك اليوم ليس فقط على تقويض حكمه وإنما على الوصول إلى مدينة موبتي (المنطقة الخامسة بمالي) التي التقط بها توريه نفسه أولى صور الحياة قبل أزيد من ستة عقود.
 
ويقول أنصار الرئيس المطاح به إن الانقلابيين قضوا على أحلام الماليين في حياة ديمقراطية سليمة وقضوا على تجربة ديمقراطية بناها توريه في العقدين الماضيين، حيث لم يمهلوه ولو شهرا واحدا لمغادرة السلطة، وقد كان تعهد أكثر من مرة بأنه لن يترشح في الانتخابات المزمع عقدها في الشهر المقبل.
 
لكن خصومه يرون أنه أدخل البلاد في حرب لم تكن مستعدة لها، وورط مئات الجنود الماليين في مأزق يصعب الخروج منه بسلام، كما عرض استقرار وأمن وسيادة مالي لخطر شديد بتساهله مع القاعدة وعصابات التهريب وحركات تصف نفسها بأنها "حركات تحرير".

المصدر : الجزيرة