قاهرة السعدي قضت "عيد الأم" مع أطفالها الأربعة بعد أن حرمت هي من والدتها وهي صغيرة (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

منذ الصباح، كان رأفت يحمل "الوردة التي انتظرت عشرة أعوام"، كما قال، كي يهديها لوالدته الأسيرة المحررة قاهرة السعدي في عيد الأم الأول لها مع أطفالها الأربعة، بعد أن غابت عنهم في السجون الإسرائيلية دون أن يتاح لها الاتصال بهم في أية مناسبة.

وتعيش قاهرة السعدي وعائلتها من مخيم جنين شمال الضفة الغربية عيد الأم لأول مرة في حياتها كما تروي، حيث توفيت والدتها ولم تغادر بعد عامها الثالث، وهي لا تذكر حتى وجهها.

وكانت قاهرة تعيش القلق ذاته بأن يتربى أبنائها كالأيتام -حسب قولها- حيث واجهت حكما بالسجن المؤبد ثلاث مرات وثلاثين عاما، قبل أن تشملها صفقة تبادل الأسرى الفلسطينيين مقابل إطلاق الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وعاش أبناء قاهرة السعدي ( 34 عاما) يوم عيد الأم "فرحتهم الكبرى" بعد الإفراج عنها، حيث قالت ابنتها ساندي -التي كانت في الثامنة من عمرها عند اعتقال والدتها وهي الآن طالبة جامعية- إن عيد الأم "كان من أتعس أيام السنة بالنسبة لنا، وفي حين كان الأطفال يعودون بالورود والهدايا لأمهاتهم كنا نعود بالبكاء إلى بيت لا أم فيه".

منعوا وردة
ورغم فرحه غير الموصوف، يقول الابن رأفت (15 عاما) والذي تركته والدته في عمر الخامسة عند اعتقالها ووالده معا عام 2002، إن الذكريات الصعبة لا تزال ماثلة في ذهنه، ويتذكر كيف حاول مع أشقائه في إحدى الزيارات التي تزامنت مع عيد الأم أن يدخل لها وردة واحدة لكن السجانين رفضوا ذلك وقطعوها أمامهم.

وانشغل رأفت وشقيقه محمد منذ الصباح في شراء الهدايا للوالدة التي "أعادتنا للحياة منذ الإفراج عنها" كما قال، وقرر أن يشتري لأمه وسادة طُرّزت عليها جملة "أمي حياتي" كي يضع رأسه عليها جنبا إلى جنب مع أمه.

وبعد اعتقال الأم قاهرة والأب ناصر السعدي، أمضى رأفت مع شقيقه الأكبر محمد عامين في ملجأ للأيتام، فيما أخذت أختاهما ساندي ودنيا إلى منزل أحد الأقارب، دون أن يسمح لوالدتهما بالاتصال بهم أو معرفة مصيرهم إلا بعد قرابة عام من اعتقالها.

ويقول رأفت "كانت تمر الأعياد في الملجأ دون أن نعرف بها، وكنا نحلم فقط باليوم الذي تعود فيه أمي إلى البيت".

قاهرة السعدي أفرج عنها ضمن صفقة تبادل الأسرى (الجزيرة)

أمهات في الأسر
وتقول قاهرة إنها كانت تحتجز في سجن "هشارون تلموند" العسكري الإسرائيلي مع عشر أمهات فلسطينيات تركن أطفالهن، دون أن يسمح لهن بالاتصال بهم أو الاطمئنان عليهم في مناسبات كعيد الأم أو أعياد الفطر والأضحى، أو حتى باحتضانهم أثناء الزيارة.

وخلال عشرة أعوام، سمح لقاهرة السعدي باحتضان أطفالها لمرة واحدة ولخمس دقائق فقط، وذلك حين حضرت إحدى الصحفيات لإعداد فيلم عن واقع حياة الأسيرات، واتضح فيما بعد أن الفيلم أعد لصالح مصلحة السجون وحاول تجميل واقع حياة الأسيرات. 

وتضيف قاهرة أن مناسبة عيد الأم خاصة كانت تمر على الأسيرات الأمهات كيوم حداد وبكاء فقط، ولم يكن يهون عليهن سوى محاولة باقي الأسيرات التخفيف عنهن.

وتقول إنها تشعر منذ الإفراج عنها قبل خمسة شهور إنها في عيد لمجرد قدرتها على احتضان أطفالها يوميا ومساعدتهم في دروسهم، وخاصة طفلتها الأصغر دنيا، التي لم تتجاوز عامها الثالث عند اعتقال والدتها بينما هي الآن صبية في الثالثة عشرة من عمرها.

وتضيف قاهرة، التي كانت تواجه أكبر حكم بين الأمهات "الآن نفهم كيف كنا موتى في قبور وكان أطفالنا وأبناؤنا يعيشون حالة الفقدان في كل المناسبات".

وتذكر الأسيرة المحررة كيف كان يسمح لها بإلقاء التحية على أطفالها -في الزيارة الوحيدة كل شهر- من وراء زجاج عازل، وعبر سماعات هاتفية مراقبة من إدارة السجن، وتضيف "في بعض الأحيان كانت مدة الزيارة لا تتجاوز ربع ساعة بحجة إعلان الاستنفار في السجن وكان أطفالي يجبرون على الخروج باكين رغم أن وصولهم إلى السجن والزيارة كان يستغرق أكثر من سبع ساعات".

وفي السنوات الثلاث الأخيرة منعت ابنتها ساندي وابنها محمد من زيارتها بحجة أنهما تجاوزا عمر السادسة عشرة.

وفيما تجلس دنيا ملتصقة بأمها وتعيد احتضانها بين الحين والآخر، تقول إنها لأول مرة تعود في يوم عيد الأم إلى بيت دون أن تشعر بنفسها مختلفة عن صديقاتها في المدرسة، ولأول مرة تذهب معهن لشراء الورود والهدايا لأمها.

وأفرج عن قاهرة السعدي ضمن 32 أسيرة فلسطينية شملتهن صفقة تبادل الأسرى منهن من كن يواجهن السجن المؤبد مدى الحياة لعدة مرات مثل أحلام التميمي التي أبعدت إلى الأردن وآمنة منى التي أبعدت إلى تركيا.

وحكمت قاهرة السعدي بالسجن المؤبد ثلاث مرات وثلاثين عاما، بتهمة مساعدة أحد الاستشهاديين الفلسطينيين للوصول إلى مدينة القدس المحتلة وتفجير نفسه مما أدى إلى مقتل ثلاثة إسرائيليين وجرح عدد آخر عام 2002. وكان أطفالها في كل زيارة يرددون عليها السؤال ذاته" متى ينتهي المؤبد؟". 

المصدر : الجزيرة