مسجد اللبابيدي بعد ترميمه وافتتاحه (الجزيرة)

وديع عواودة-عكا

يبدي أهالي مدينة عكا ابتهاجهم باستعادة مسجد تاريخي أغلق غداة نكبة 1948، رغم أن السلطات الإسرائيلية تمنع رفع الأذان بمكبّر صوت وإقامة صلاة الجمعة فيه.

واحتفل أهالي المدينة بإعادة فتح مسجد اللبابيدي القائم خارج أسوار عكا التاريخية داخل أراضي 48 بعد ترميمه، آملين أن يتمكنوا من ممارسة كامل حقهم في الشعائر الدينية.

ويزين المسجد اليوم بحلة حجرية جديدة في ظاهره وبآيات قرآنية خطّها الفنان ريحان تيتي على جدرانه الداخلية بالخّطين الفارسي والديواني. وكان المسجد قد بني عام 1930 على يد أحمد عبد الله اللبابيدي، أحد أثرياء عكا على نفقته الخاصة، وكان يعرف بمسجد العمارات.

كتابات داخل مسجد اللبابيدي (الجزيرة)

أغلبية عربية
وفي واجهة المسجد ثبتت لوحة رخامية تحمل اسمه، والآية الكريمة "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ"، ومن تحتها إشارة لتاريخ بنائه ولعام إعادة ترميمه وافتتاحه.

وأعد اللبابيدي لنفسه قبرا بحديقة المسجد بجانب قبر زوجته نزهة الدباغ، لكنه هُجّر إلى سوريا كالكثيرين من أهالي مدينته فور احتلالها من قبل العصابات الصهيونية قبل 64 عاما.

المسجد المبني بلا مئذنة أغلق غداة النكبة عام 1948، ويقوم اليوم في حي مختلط صارت فيه الأغلبية منذ سنوات للسكان العرب.

ويوضح الباحث المختص بتاريخ عكا نظير شمالي -للجزيرة نت- أن المسجد بني في شارع الرشادية على مساحة دونم ونصف الدونم لتلبية حاجة المسلمين ممن بدؤوا بالسكن خارج أسوار المدينة في مستهل القرن العشرين.

وينوه شمالي بنص نبأ كتبته صحيفة "الكرمل" الفلسطينية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1930 عن تدشين المسجد بحضور المتبرع به أحمد أفندي اللبابيدي ووجهاء عكا.

وجاء في "الكرمل" التي كانت تصدر في حيفا بدءا من 1909 "إذا عددنا كبار الأغنياء في فلسطين لا نجد أحمد اللبابيدي بينهم، لكن (الله) سبحانه وتعالى حباه الله عاطفة دينية كبيرة حملته على بناء مسجد من ماله الخاص خارج سور عكا حيث ازداد عدد السكان ومسّت الحاجة لمسجد".

مصلون من عكا يخرجون من المسجد بعد الصلاة (الجزيرة)

وتشير الصحيفة التاريخية لمشاركة الشيخ أسعد الشقيري ممثل عكا في مجلس "المبعوثان" العثماني ونجله أحمد الشقيري، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية عقب تأسيسها في الستينيات.

ويشيد إمام المسجد الشيخ محمد زهرة بلجنة أمناء الوقف في عكا التي واظبت على ترميم المسجد وخاضت سجالا طويلا مع السلطات الإسرائيلية من أجل فتحه للصلاة بعدما كان متداعيا مهجورا في حالة يرثى لها.

ويقول الشيخ محمد زهرة -للجزيرة نت- إن اللجنة ظلت تحتج وتمارس الضغوط لاستعادة المسجد ومزاولة الشعائر الدينية فيه مستغلة التغير الديمغرافي في الحي الذي بنيت فيه كنس لليهود.

وردا على سؤال حول عدم رفع الأذان ومنع صلاة الجمعة، قال الشيخ زهرة إن لجنة الأمناء اكتفت بأذان داخلي دون مكبّر صوت ودون صلاة جمعة على مبدأ استعادة الحقوق خطوة خطوة. ويتابع "فضلنا استعادته مرحليا وسنبقى مثابرين حتى تستكمل".

ذكريات الطفولة
ويستعيد الحاج أكرم محمد أرناؤط أبو العبد (77 عاما) طفولته، ويقول -للجزيرة نت- إن عائلته التي أقامت بجوار المسجد في حي المحطة اعتادت على الصلاة فيه. ويوضح أنه كان يرافق والده للصلاة في المسجد ولالتقاط ثمار الرمان والعنب والتين من بستان ملحق به، واللهو في باحته. 

ويبدي أبو العبد المقيم بجوار المسجد غبطته بإعادة فتحه بعد طول غياب ويقول إنه سّر بعودة ما يذكّر بأيام عكا التاريخية ويبعث الأمل باستعادة ما سلب، ويتابع "منذ افتتاحه أداوم على الصلاة خمس مرات في اليوم داخل المسجد الذي كنت أصلي فيه طفلا صغيرا، فيتحرك وجداني كل مرة من جديد، ووفاء له تبرعت بمقاعد لخدمة الزائرين والمصلين".

إمام المسجد الشيخ محمد زهرة (الجزيرة)

شجرة نخيل
أما زميله الحاج أحمد السطيلي (68 عاما) فيستذكر موضأة كانت بنيت في وسط ساحة المسجد ومظلة قرميدية يستظل بها المصلون لم يبق لهما أثر.

ويقول السطيلي -للجزيرة نت- إن المسجد كان محاطا بكروم أوقفها الراحل اللبابيدي لم يبق منها سوى شجرة نخيل، ويضيف "كنا نلهو في ساحة المسجد المجاور للبحر وبين أشجاره ونصلي فيه عندما تحين الصلاة ونحن هناك".

ويشدد الحاج السطيلي على أن العودة للصلاة في المسجد تبعث في نفسه الراحة والبهجة، ويضيف منفعلا "طيلة ستة عقود ونيف كنت أمر من هنا فيحزنني المسجد المغلق عنوة ولسان حاله كأنه يصرخ في وجه المارة (أنقذوني من الهجران)".

ويقول إن العودة لمسجد أقام به الصلاة وهو طفل قبل نكبة 1948 تعني إغلاق دائرة وتحّرك عقارب زمن توقف بعدما كانت السلطات الإسرائيلية تصّر على بقائه موصدا.

المصدر : الجزيرة