اللاجئون السوريون في تركيا يناضلون لتوفير لقمة العيش والتعليم لأبنائهم (الفرنسية)

وسيمة بن صالح- إسطنبول

مازال النازحون السوريون يتوافدون على الأراضي التركية يوما بعد يوم منذ بداية الثورة في بلادهم، يدفعهم الخوف من الاعتقال والقتل، وسواء كانوا داخل المخيمات التركية أو خارجها، فهم يناضلون لتوفير لقمة العيش والتعليم لأبنائهم، مترقبين بصبر سقوط النظام الحاكم للعودة إلى ربوع الوطن.

كثير من اللاجئين الذين نزحوا، لم يقبلوا العيش داخل المخيمات التي تعاني من ظروف سيئة أصلا كما يقولون، وجازفوا بالقدوم إلى مدينة إسطنبول أملا في الحصول على فرص عمل، أو أن تمد لهم المنظمات الإنسانية يد العون.

لكنهم وجدوا أنفسهم يواجهون واقعا مغايرا فرض عليهم قبول العيش في ظروف صعبة داخل بيوت قديمة، شبه فارغة، يقاسون البرد ويحاولون تدبير أمورهم دون طلب أي مساعدة من الآخرين صونا لما تبقى لهم من كرامة لم يفلح النظام السوري في تحطيمها كما تقول إحدى النازحات من دمشق.

وكشفت ناشطة سياسية فضلت عدم ذكر اسمها، للجزيرة نت، تعرضها للتحقيق عدة مرات من قبل الأمن السوري، وبعد تلقيها تهديدات مباشرة مع انطلاق الثورة، آثرت النزوح مع ولديها إلى تركيا، تاركة خلفها زوجها وابنها بدمشق، قائلة ''لولا خوفي من الاعتقال والاغتصاب، ما كنت فتحت باب بيتي وطلعت من بلدي''.

تمكنت هذه الناشطة من الحصول على عمل مدرسة لغة عربية في إسطنبول، لكنها وجدت نفسها مضطرة للعمل ساعات طويلة، لتصرف على ''بيت في مدينة غالية مثل إسطنبول، وولدين، براتب واحد''.

وتشير إلى أن السلطات الأمنية التركية رفضت طلبها للحصول على إقامة مؤقتة بحجة أن عقد إيجار المنزل يجب أن يكون بتاريخ نفس اليوم الذي وصلت فيه، إضافة إلى أنهم طلبوا شهادة ميلاد ابنها البالغ من العمر 14 عاما مصدقة من الخارجية والسفارة السورية بتركيا، وهذا ''أمر مستحيل في ظل الظروف الراهنة'' كما تقول، مؤكدة أنها الآن تعيش بشكل مخالف للقانون التركي الذي يسمح للسوريين بالإقامة السياحية فقط لمدة ثلاثة أشهر.

لكنها تحمد الله وتؤكد أن وضعها ''أهون بكثير من باقي العوائل التي تعاني بصمت'' مثل أسرة نازحة في مدينة إسطنبول، يخرج فيها الأب وأطفاله إلى المقابر لجمع بقايا ما يجدونه من حطب وأوراق للتدفئة في منزل مكون من غرفتين.

ورغم هذه الأحوال المزرية، فقد قررت هذه الأسرة تخصيص القسم الأكبر من الأجرة الزهيدة التي يحصل عليها الأب من عمله كمترجم، لتأمين مبلغ يدفعونه لمن يقبل بتقديم دروس خاصة لأبنائهم من المدرسين العرب في إسطنبول.

العديد من الطلاب السوريين يعيشون ظروفا نفسية سيئة خاصة الذين لا يتوافرون على أقساط المدارس ومن تم طردهم من المدارس

طلاب محرومون
هاجس تعليم الأبناء هو إحدى العقبات الكبيرة التي تناضل العوائل السورية النازحة للتغلب عليها، كما تؤكد لاجئة زوجة لأحد المعتقلين السابقين، هربت مع أسرتها بعد أن أصبح زوجها مطلوبا في كل الأفرع الأمنية بمدينة اللاذقية.

تقول اللاجئة إنهم باعوا سيارتهم داخل سوريا لتأمين مصاريف السفر إلى تركيا وتأمين مستقبل أطفالهم الثلاثة، علما أن زوجها -كما تقول- نزح بشكل غير شرعي إلى تركيا مشيا على الأقدام بعد تعميم اسمه من قبل الأمن السوري على كل الحدود.

ومع أنهم يعيشون داخل منزل فارغ من الأثاث فإن ما يشغلهم -كما تقول الأم- توفير فرصة التعليم لولديها ''قلبي محروق لأن المدارس العربية في إسطنبول لم تقبل تسجيل أبنائي، والمدرسة الوحيدة التي قبلت ذلك اشترطت دفع أقساط الفصل التي تبلغ 1600 دولار لطفلين في المرحلة الابتدائية''.

وتؤكد أن تأمين مثل هذا المبلغ في يومين -المدة التي أمهلتها المدرسة- أمر مستحيل، قائلة ''لم ألغ تسجيل أبنائي، لكنني أيضا لم أستطع إرسالهم إلى المدرسة، أشعر بحيرة وغبن كبيرين، وفي انتظار فرج الله''.

وتؤكد أن أسرتها مستعدة للعودة لسوريا في نفس اليوم الذي يسقط النظام الحاكم، وأنهم مستعدون للعودة أيضا إذا تم فتح ممرات آمنة.

ويحس الطلاب السوريون في المدارس العربية بمدينة إسطنبول أن المسؤولين عن هذه المدارس، يحتذون بنظام الأسد في القمع ويشتكون من الطلاب الذين يتكلمون عن الأوضاع في سوريا، مما جعل العديد من الطلاب يغادرون المدارس أو يتعرضون للطرد.

كما يشكو طالب لم يقبل بذكر اسمه خوفا من التعرض للطرد بدوره، أن هذا التعامل جعل العديد من الطلاب السوريين يتحاشون ذكر ما يحدث في سوريا داخل المدارس ''حتى إن أحد أصدقائي غادر المدرسة منذ فترة، وهو الآن في طريقه لدخول سوريا لحمل السلاح والقتال إلى جانب الثوار''.

ويؤكد أن العديد من الطلاب السوريين يعيشون ظروفا نفسية سيئة، خاصة الذين لا يتوافرون على أقساط المدارس أو الذين تم طردهم من المدارس في نصف السنة الدراسية، معبرا عن أمله أن تقوم الجمعيات العربية في تركيا بتقديم الدعم لهؤلاء الطلاب والتكفل بتدريسهم وعدم حرمانهم من حقهم الأساسي لتأمين مستقبلهم.

ويحاول معظم هؤلاء النازحين ألا يحتكوا بالآخرين كثيرا، خوفا من أعين المخابرات السورية التي يمكن أن تؤذيهم وتؤذي عوائلهم التي مازالت داخل سوريا.

المصدر : الجزيرة