بطاقات تذكارية لزعيمة المعارضة أونغ سان سوتشي (الجزيرة)

عزت شحرورـميانمار

أو تي أو .. رجل متعدد المناصب. رئيس هيئة أركان سابق وحقوقي ونقابي وناشط سياسي وغير ذلك. لكن المنصب الذي يفضله ويفتخر به هو "سجين سياسي سابق". قابلناه في مكتبه بالمركز الرئيسي للرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية.

يستعيد الرجل شريطاً طويلاً من الذكريات الأليمة وقد غزا الشيب رأسه "بعد سبع سنوات من الاعتقال وبعد إطلاق سراحي تحولت إلى راهب بوذي لمدة عامين ثم درست الحقوق وشكلت حزباً سياسياً. ومع اندلاع انتفاضة الطلاب عام 1988 وسطوع نجم أونغ سان سوتشي كرمز وطني شكلنا معاَ الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية ومازلنا نناضل معاً حتى الآن تحت قيادتها وأنا سعيد بذلك".

ما الذي يدعو جنرالأ سابقاً إلى إفساح المجال أمام امرأة في مجتمع شرقي محافظ؟ هل هو تقدمه في السن؟ ليس تماماً على ما يبدو .. فسائق سيارة الأجرة شاب في مقتبل العمر يضع صورتها أمامه كحرز ثمين في بلاد اعتاد أهلها على تزيين مثل هذه الأماكن بصور ذهبية لبوذا ظناً منهم أنها تجلب الرزق والسعادة.

وكذلك الباعة في السوق يتبارون في عرض قمصان تحمل صوراً مختلفة لها في أماكن بارزة من واجهات محالهم، بل وحتى السياح الأجانب يبحثون عن قطع تذكارية وبطاقات تحمل صورها كما يبحثون عن الياقوت والأحجار الكريمة التي تكثر في هذه البلاد.

فمن هي هذه المرأة التي يسمونها هنا السيدة أو "الليدي"؟ والتي تحولت إلى رمز وطني ودولي،  وإلى رقم صعب لا يمكن تجاوزه في معادلة الحراك السياسي الذي تشهده ميانمار.

إنها أونغ سان سوتشي ابنة الجنرال أونغ سان مؤسس مجموعة "الرفاق الثلاثون" وقائد المقاومة ضد المستعمر البريطاني وبطل الاستقلال، والذي اغتيل مع مجموعة من رفاقه عام 1947 بعد عامين على ولادة ابنته وقبل ستة أشهر من إعلان الاستقلال. ومنذ ذلك الحين لايزال الرجل يحظى بحب وتقدير من أبناء شعبه على اختلاف أعراقهم وقومياتهم ومازال اسمه هو الأكثر تداولاً بينهم.. يسمون به أبناءهم تيمنا ويطلقونه على الشوارع والحدائق والأسواق.

الوفاء للقضية
لكن ليس باسم الوالد وتاريخه فقط دخلت الابنة إلى قلوب وعقول البورميين واحتلت مكاناً مميزاً، بل لأنها ظلت متمسكة بمبادئه ووفية لقضيته ـكما يقول محبوهاـ وإن تغيرت الأساليب. فعلى هدى غاندي ومانديلا في تبني النضال السلمي لتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية تحولت أونغ سان سوتشي إلى زعيمة للمعارضة في ميانمار التي كانت تسمى بورما.

أونغ سان سوتشي محاطة بمحبيها في إحدى زياراتها الداخلية (رويترز)

خضعت للإقامة الجبرية وأحياناً لعزلة تامة لأكثر من عقد. لم يسمح لها حتى برؤية ولديها أو زوجها الأكاديمي البريطاني مايكل إريس الذي وافته المنية عام 1999 إثر إصابته بالسرطان دون أن تتمكن من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه.

كانت قد درست الفلسفة والسياسة والاقتصاد في جامعة أوكسفورد البريطانية. وتجولت في الهند واليابان وبوتان. لكن نداء وطنها ظل يشدها. حتى عادت عام 1988 لتجد نفسها وسط انتفاضة الطلاب المطالبين بالديمقراطية والخلاص من وطأة حكم العسكر والجنرالات.

لم يكن أمامها إلا أن تكون ابنة أبيها، قالت حينها "لا يمكنني وأنا من أنا أن أبقى غير مبالية أو مهتمة بما يجري". جابت مختلف أرجاء البلاد تدعو إلى المقاومة السلمية والإصلاح الديمقراطي والانتخابات الحرة .. لم يتحمل العسكر ذلك ففرضوا الأحكام العرفية وزجوا برفاقها في السجن وأخضعوها هي للإقامة الجبرية.

حصدت معظم أصوات الناخبين في انتخابات 1991 وفازت بأغلبية ساحقة لكن العسكر كعادتهم رفضوا الاعتراف بنتائج  تلك الانتخابات. وحازت على جائزة نوبل للسلام في نفس العام.

زيارة للبيت
زرناها في بيتها الذي أصبح رمزاً من رموز الصمود. أراده الحاكم أن يكون لها سجناً. إلا أن قامة صاحبته كانت أعلى من الأسوار وظلت تطل من فوقها على مؤيديها بين الحين والآخر. تحثهم على الأمل والمقاومة السلمية. تزرع بذور الحرية والديمقراطية وترعاها إلى أن أينعت وحان قطافها. إذ يبدو أن ربيع الشعوب يزهر في آن واحد وفي أكثر من مكان.

 هكذا قالت لنا أونغ سان سوتشي "ما تعلمناه من الربيع العربي أن الناس أينما كانوا يشتركون في حب الحرية والعدالة، وأقول للكثيرين في بورما الذين يعتقدون أنهم غير قادرين على فعل شيء: انظروا إلى الثورات العربية، قد نختلف في طريقة تحقيق ذلك لكن أهدافنا واحدة فجميعنا أخوة في الإنسانية" وأضافت مازحة "كان علي أن أقول أخوات في الإنسانية".

ودعناها على أمل أن نلتقي بها بعد انتخابات أبريل/ نيسان الموعودة، بعد أن وجدنا إجابة للسؤال الذي بحثنا عنه طوال فترة زيارتنا إلى ميانمار: لماذا اختارت الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية أن يكون طائر العنقاء شعاراً لها، أو ربما كان علينا أن نقول "طائرة العنقاء".

المصدر : الجزيرة