من أحد شوارع يانغون (الجزيرة)
عزت شحرور-يانغون
 
اعتادت يانغون طوال العقود الماضية على ممارسة عادات وتقاليد دينية واجتماعية مختلفة، لكن ما لم تعتد عليه المدينة ولا أهلها هو هذا الحراك السياسي الجاري على قدم وساق استعدادا للانتخابات البرلمانية، ضمن خطوات على طريق الديمقراطية تبناها الحكم العسكري في البلاد التي عانت لسنوات من العقوبات والحصار الاقتصادي.
 
ويعج مركز الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية التي تتزعمها زعيمة المعارضة أون سان سوتشي يومياً بزوار جدد ممن يرغبون في ملء استمارات الانتساب والانضمام إلى عضوية الرابطة استعداداً لخوض الانتخابات المقرر إجراؤها في أبريل/نيسان القادم.
 
وقد تضاعفت أعداد المنتسبين الجدد إلى الرابطة ثلاث مرات منذ بداية العام كما يقول القائمون عليها.. إحدى المتطوعات للعمل في المركز تقول لنا إن "المنتسبين الجدد ينتمون إلى مختلف الشرائح الاجتماعية ومختلف الأقليات القومية -ذكورا وإناثا، شبابا وكبارا في السن- لكن الغالبية العظمى هي من المثقفين وطلبة الجامعات.

ثقة الناس
ويرى رئيس المركز أن أسباب هذا الإقبال الكبير هو ثقة الناس بالرابطة، وقال "إنهم يثقون بنا وببرنامجنا السياسي، وبأننا قادرون على تنمية البلاد وتطويرها وتطبيق حكم القانون وتعديل دستور عام 2008".

بطاقات تذكارية لزعيمة المعارضة
أون سان سوتشي
(الجزيرة)

لكن ضابطا متقاعدا في سلاح الجو حضر إلى المركز للحصول على بطاقة عضوية كانت له أسباب أخرى، قال لنا إنه قرر الانتساب إلى الرابطة لأنه يثق في ن سوتشي لكونها ابنة الجنرال العظيم أون سان، ولأنها تتمتع بدرجة عالية من الثقافة.

وهذا ما أكده أيضاً سائق سيارة أجرة وأحد التجار في السوق قائلاً إنه سيمنح صوته للرابطة ولسوتشي لأنه يثق فيها وهي التي ضحت كثيرا من أجل الشعب وخضعت عدة سنوات للإقامة الجبرية، وإنه على استعداد لفعل أي شيء من أجلها"

تلك هي كلمة السر إذاً.. أون سان سوتشي، ولا غرابة فهي ابنة الجنرال أون سان مؤسس منظمة "الرفاق الثلاثون" وقائد المقاومة ضد المستعمر البريطاني وبطل الاستقلال الذي لا يزال يحظى بالحب والتقدير لدى مختلف قطاعات الشعب.

خريطة طريق
لكن ماذا عن الجانب الآخر؟ صحيح أن الجنرالات تخلوا عن بزاتهم العسكرية وشكلوا حكومة مدنية، لكنهم احتفظوا فيها بـ11 حقيبة وزارية وشكلوا حزباً خاصاً بهم لخوض الانتخابات تحت اسم "اتحاد التضامن والتنمية"، وفصّلوا دستوراً يمنحهم الحق في تعيين ربع أعضاء البرلمان.

يذكر أن ميانمار عانت من سلسلة عقوبات دولية وحصار اقتصادي فرض عليها منذ عدة سنوات، وأن تلك العقوبات -وفق رأي بعض المراقبين- ساهمت إلى حد كبير في تسريع عملية الإصلاحات السياسية الجارية.

العسكر رفضوا الاعتراف بنتائج انتخابات عام 1990 التي فازت فيها الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بأغلبية ساحقة

ويرى البعض الآخر أن العملية برمتها جزء من خريطة طريق سباعية الخطوات أقرها المجلس العسكري منذ عام 2003، وأنه يسير عليها وفق برنامج زمني محدد تضمن إقرار الدستور عام 2008.

كما خففت -بموجب هذه الخطوات- القيود المفروضة على إنشاء وتسجيل الأحزاب وسمحت بإنشاء الجمعيات والنقابات، وأنشأت هي نفسها مفوضية وطنية لحقوق الإنسان، وأطلقت حواراً سياسياً مع أحزاب المعارضة بما فيها الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية وزعيمتها سوتشي، بل إنها لجأت إلى الحوار والتفاوض مع حركات مسلحة، وأطلقت سراح المئات من المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي.

ورغم كل هذا الحراك السياسي في البلاد وإلى أن يحين موعد الانتخابات ويقول الشعب كلمته في أبريل/نيسان القادم، يبقى الانتظار الحذر هو السائد، فالتجارب تشير إلى أن العسكر رفضوا الاعتراف بنتائج انتخابات عام 1990 التي فازت فيها الرابطة بأغلبية ساحقة، فما الذي يمنع تكرار ذلك مرة أخرى؟

ويعزز ذلك أن تجارب التاريخ تؤكد أنه نادراً ما يتخلى الجنرالات عن السلطة، خاصة بعدما أدمنوها لسنوات طويلة، ولهذا فإن مراقبين يرون أنه من المبكر القول إن ميانمار خطت خطواتها الأولى على طريق الديمقراطية.. بل إنها لا تزال تحبو.

المصدر : الجزيرة