منمون يجمعون ماشيتهم في إحدى نقاط المياه بالشرق الموريتاني (الجزيرة نت)

 أمين محمد-شرق موريتانيا

لم يكن الأزواديون النازحون من جحيم الاقتتال الدائر بين الجيش المالي والمقاتلين الطوارق، وحدهم من يعاني من جراء تلك الحرب، فمنمو المواشي الموريتانيون وجدوا أنفسهم فجأة في مهب تلك العاصفة الهوجاء يكتوون بنارها ويصطلون بلظاها دون أن يكونوا طرفا فيها.
 
ورغم أن مناطق الشمال المالي لم تعرف الاستقرار السياسي والأمني منذ عقود من الزمن، ليس فقط بسبب الحروب التي تنشب بين الحين والآخر بين المقاتلين الطوارق والقوات العسكرية المالية، ولكن أيضا بسبب الجماعات المسلحة وعصابات التهريب التي تجوب المنطقة طولا وعرضا، فإن مربي المواشي الموريتانيين لم يشعروا بالخوف والضجر وفقدان الأمان مثلما يشعرون به اليوم.
 
وتعيش موريتانيا هذا العام جفافا ماحقا بسبب انحباس المطر، وتقلص المراعي، وغلاء الأعلاف، وقلة نقاط المياه. وحذرت هيئات دولية من خطورة الأوضاع ومن احتمال تعرض مئات الآلاف من السكان لمجاعة حقيقية في ظل هذا الجفاف.
 
وبادر المئات من مربي المواشي في موريتانيا إلى نقل مواشيهم إلى الأراضي المالية حيث وفرة المراعي وخصوبة الأراضي وحرية التحرك، حماية لها من مخاطر النفوق الذي يتهددها في موريتانيا.
 
وأصبح من اللازم بالنسبة لهؤلاء المنمين أن يعودوا أدراجهم من حيث أتوا بعد اندلاع القتال بين القوات المالية والمتمردين الطوارق، في ظل حديث يجري عن تصفيات تأخذ في بعض الأحيان طابعا عرقيا يخشى المنمون أن تصلهم.
 

 ولد اميحمات: 90% من ماشية المنطقة الشرقية بموريتانيا دخلت إلى شمال مالي (الجزيرة نت)
تذمر وشكوى
ويبدي المنمي الموريتاني الشيخ أحمد ولد اميحمات وهو من سكان قرية اكليفة قرب الحدود مع مالي، الكثير من التبرم والسخط على ما آلت إليه أوضاع المنمين في الشرق الموريتاني بعد أن أصبحوا يعيشون بين مطرقة الجفاف في موريتانيا، وسندان الحرب الدائرة في الأراضي المالية.
 
ويقلب ولد اميحمات كفّيه ساخطا وغاضبا ومتسائلا في حديث للجزيرة نت عن مصير مئات من أغنامه ومواشيه أرسلها قبل شهور إلى شمال مالي، ولا يدري اليوم كيف يتصرف باتجاهها هل يدعها في مالي معرضة للنهب والضياع، أم يعيدها إلى التراب الموريتاني فتسّاقط عطشًا، أو تهلك جوعا وهزالا.
 
ويشير إلى أن نحو 90% من ماشية المنطقة الشرقية بموريتانيا دخلت خلال الشهور الماضية إلى شمال مالي وهي اليوم معرضة لمخاطر جمة، على أن الخطر الذي يواجه البشر في الأرياف الشرقية لموريتانيا من قحط ومجاعة وسوء حال يفوق ما تتعرض له مواشيهم في مناطق الحرب.
 
ويهاجم ولد اميحمات السلطات الموريتانية لاهتمامها وعنايتها بالنازحين الأزواديين ويقول إن شعبها الذي يكاد يهلك من الجوع بسبب القحط والجفاف وانعدام الماء الصالح للشرب، أولى من الاهتمام بالآخرين، مؤكدا أنه لم تصلهم أي مساعدات حكومية هذا العام رغم انحباس المطر وجفاف الضرع ونفوق مئات المواشي.
 
حصار
ويشير منمّ آخر هو الداه ولد أهل ألمين إلى أن الحرب الحالية في شمال مالي حولت المنطقة الشرقية من موريتانيا إلى منطقة محاصرة حصارا شديدا بعد أن توقفت الإمدادات الغذائية والتجارية القادمة من الأراضي المالية، حيث كانت المنطقة تستجلب أغلب احتياجاتها من المدن المالية المحاذية للحدود.
 
ولد كاكه: بقاء المواشي الموريتانية بمالي على مخاطره أفضل لها من العودة (الجزيرة نت)
ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن سكان المنطقة بالإضافة إلى ذلك يعتمدون في معاشهم بشكل رئيسي على الثروة الحيوانية التي تواجه مخاطر النفوق والهلاك في ظل الجفاف والحرب في مالي.
 
وطالب الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة تحد من تأثيرات الجفاف والحرب المالية على السكان والمواشي، نافيا أن يكون المنمون في المنطقة الشرقية قد استفادوا حتى الآن من أي مساعدات حكومية.
 
ويجزم منمّ آخر هو محمد ولد كاكة بأن بقاء المواشي الموريتانية بالأراضي المالية على مخاطره أفضل لها ولمربيها من دخول الأراضي الموريتانية التي تعاني جفافا وقحطا ونقصا شديدا في المياه وندرة وغلاء في الأعلاف حسب قوله.
 
برنامج "أمل"
وكانت وسائل إعلام موريتانية قد قالت إن السلطات الموريتانية توقفت عن إصدار تراخيص دخول للأراضي المالية كانت تمنحها للمنمين الراغبين في إدخال مواشيهم إلى التراب المالي.
 
وتبلغ الثروة الحيوانية نحو 13% من الناتج القومي في موريتانيا، وتحتضن المنطقة الشرقية من البلاد الجزء الأكبر من هذه الثروة التي يعتمد عليها غالبية السكان في معاشهم، في ظل عزوف الكثير من الموريتانيين عن استخدام اللحوم البيضاء.
 
وأطلقت الحكومة الموريتانية الأسبوع الماضي برنامجا بغلاف مالي يصل إلى نحو 157 مليون دولار لمواجهة آثار الجفاف وإسعاف السكان المهددين بتداعياته الخطيرة.

وتقول الحكومة إن ذلك البرنامج الذي أطلقت عليه "أمل 2012" يتكون من جزأين أحدهما موجه للسكان الأقل دخلا والأكثر فقرا، والثاني موجه للثروة الحيوانية عبر توفير الأعلاف بأسعار أرخص وباستحداث نقاط جديدة للمياه في المناطق التي لا تزال تتوفر على بعض المراعي داخل التراب الموريتاني.

المصدر : الجزيرة